الحقيقة الأولى : هي أن الكفار يتخذون من بشرية الرسول صلى اللّه عليه وسلّم حجة بأن هذا الكتاب ليس من عند اللّه ، وكان الرد هو : أن كل الرسل السابقين كانوا بشرا فما هو العجب في أن يكون محمد صلى اللّه عليه وسلّم رسولا بشرا ؟
الحقيقة الثانية : هي أن هذا القرآن مكتوب بالحروف نفسها التي خلقها اللّه لنا لنكتب بها ، ومن ذلك فإن القرآن الكريم نزل مستخدما لهذه الحروف التي يعرفها الناس جميعا معجزا في ألا يستطيع الإنس والجن مجتمعين أن يأتوا بسورة واحدة منه . ثم يلفتنا الحق سبحانه وتعالى لفتة أخرى إلى أن هذا الكتاب محكم الآيات ، ثم بيّنه اللّه لعباده ، وهذا ظاهر في سورة هود :
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ( 2 )
« 1 » .
فهذا الكتاب المحكم بلاغة وبيانا وفصاحة حجة على الكافرين الذين عجزوا أن يأتوا بمثله أو بعشر سور من مثله أو بسورة من مثله .
ويستمر القرآن في محاولته ومساءلته الكافرين الناكرين للحق . قال تعالى :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 28 )
« 2 » .
إذا السؤال القرآني الموجه للكافرين لا يملكون جوابا عنه « لأن اللّه هو الذي خلقه وأوجده ولا يستطيع أحد منا أن يدعي أنه خلق نفسه أو خلق غيره ، فالوجود بالذات على قضية الإيمان ، ولذلك يسألهم الحق تبارك وتعالى كيف تكفرون باللّه وتسترون وجود من خلقكم ؟ والخلق قضية محسومة للّه سبحانه وتعالى لا يستطيع أحد أن يدعيها . . فلا يمكن أن يدعي أحد أنه خلق نفسه : قضية أنك موجود توجب الإيمان باللّه سبحانه وتعالى الذي أوجدك ، إنه عين الاستدلال على اللّه ، وإذا نظر كل ما في الكون مسخرا لخدمته والأشياء تستجيب له فظن بمرور الزمن أن له سيطرة على هذا الكون . . . ولذلك عاش وفي ذهنه قوة الأسباب . يأخذ الأسباب وهو فاعلها فيجدها قد أعطته واستجابت له ولم يلتفت إلى خالق الأسباب الذي خلق لها قوانينها فجعلها تستجيب للإنسان . . » « 3 » .
ويخلص الشعراوي في توضيحه مناقشة القرآن للكافرين فيقول :
« إن الكافرين صنفان . . . صنف كفر باللّه وعندما جاء الهدى حكم عقله وعرف الحق فآمن . . والصنف الآخر مستفيد من الكفر . . . ولذلك فهو متشبث به مهما جاءه من الإيمان والأدلة الإيجابية فإنه يعاند ويكفر . . لأنه يريد أن يحتفظ بسلطاته الدنيوية ونفوذه القائم
هامش
( 1 ) سورة هود ، الآية : ( 2 ) . وانظر تفسير الشعراوي ، ( 1 / 114 ، 115 ) .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية : ( 28 ) .
( 3 ) الشعراوي ، تفسير الشعراوي ، مج ( 1 ) ، ص ( 138 ، 139 ) .