الجانب البلاغي في تفسير الشعراوي :
قال تعالى :
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ
« 1 » .
يقول الشعراوي : « يقول الحق سبحانه وتعالى :
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً
« 2 » . . . وما دام اللّه قد جعله آمنا فما جدوى دعوة إبراهيم أن تكون مكة بلدا آمنا » « 3 » هنا يلفت الشعراوي إلى مسألة بلاغية هامة على صعيد القصد والدلالة مفادها : إذا كان شيء موجودا ، ثم يأتي كائن ليطلبه فهذا يعني أن الطالب يدعو بدوامه واستمراره لذا كانت جدوى دعوة إبراهيم « إذا رأيت طلبا لموجودنا علم أن القصد هو دوام بقاء ذلك الموجود ، فكان إبراهيم عليه السّلام يطلب من اللّه سبحانه وتعالى أن يديم نعمة الأمن في البيت ذلك لأنك عندما تقرأ قوله تبارك وتعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً ( 136 )
« 4 » .
« هو خاطبهم بلفظ الإيمان ثم طلب منهم أن يؤمنوا . . . كيف ؟ نقول : إن اللّه سبحانه يأمرهم أن يستمروا ويداوموا على الإيمان . . . ولذلك فإن كل مطلوب لموجود هو طلب لاستمرار هذا الموجود « 5 » . وقول إبراهيم :
رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً
أي يا رب إذا كنت قد جعلت هذا البيت آمنا من قبل فأمنه حتى قيام الساعة . . . ليكون من يدخله إليه آمنا لأنه موجود في واد غير ذي زرع . . . » « 6 » .
دلالة النكرة والمعرفة في سياق الآية :
« اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً » .
لقد تكررت في آية أخرى تقول :
اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً
« 7 » فمرة جاء بها نكرة ، ومرة جاء بها معرفة .
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية : ( 126 ) .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية : ( 125 ) .
( 3 ) الشعراوي ، تفسير الشعراوي ، ( 1 / 581 ) .
( 4 ) سورة النساء ، الآية : ( 136 ) .
( 5 ) الشعراوي ، تفسير الشعراوي ، ( 1 / 581 ) .
( 6 ) المصدر نفسه ، ( 1 / 581 ، 582 ) .
( 7 ) سورة إبراهيم ، الآية : ( 35 ) .