وبالتأكيد فإن الشعراوي يفرّق بين التفسير وبين الأحكام التكليفية ، إذ رأى الشعراوي أن الرسول صلى اللّه عليه وسلّم اكتفى بتبليغ الأحكام التكليفية العبادية « على قدر حاجتهم من العبادة التي يثاب عليها الإنسان إن فعلها ويعاقب إن تركها . . . هذه هي أسس العبادة للّه سبحانه وتعالى . . . التي أنزلها في القرآن الكريم منهجا لحياة البشرية على الأرض » « 1 » .
هنا لا بد من طرح السؤال التالي حول رأي الشعراوي أن القرآن لا يفسّر ولو كان القرآن قابلا للتفسير لفسّره الرسول صلى اللّه عليه وسلّم :
هل الرسول لم يفسر القرآن لأن القرآن لا يفسّر أم لأن الناس كان يفهمون مقاصد القرآن العامة ، وقد تغيب دقائقه أو مفرداته ، أو بعض مسائله . .
ظني أن كلام الشعراوي أن القرآن لا يفسّر كلمة غير صحيحة تماما . . . لكن بالإمكان القول : إن تفسير القرآن في عهد النبي صلى اللّه عليه وسلّم لا يعني خاتمة التفاسير إنما علّمه ربه تفسير الكتاب تعليما شاملا ، إنما الذي أمر الرسول بتبليغه هو ما يناسب العقل في تلك الفترة من الزمن . وهذا ما أشار إليه الشعراوي بقوله : « أما الأسرار المكتنزة في القرآن حول الوجود ، فقد اكتفى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم بما علم منها لأن بمقياس العقل في هذا الوقت لم تكن العقول تستطيع أن تتقبلها ، وكان طرح هذه الموضوعات سيثير جدلا يفسد قضية الدين ، ويجعل الناس ينصرفون عن فهم منهج اللّه في العبادة إلى جدل حول قضايا لن يصلوا فيها إلى شيء » « 2 » . . . ولعل تعليل الشعراوي يستند إلى عدم توفر المعطيات العلمية لدى العقل البشري في تلك الفترة السابقة من الزمن .
أما وقد تغيّر الزمن ، وتزود العقل البشري من العلوم المادية والكونية الكثير ، فقد أصبحت العقول جاهزة للخوض في نقاش عميق حول إعجاز القرآن العلمي ، يقول الشعراوي عن الرسول صلى اللّه عليه وسلّم : « وهو الذي عليه القرآن نزل - فسر وبيّن كل ما يتعلق بالتكليف الإيماني ، وترك ما يتعلق بالتكليف للأجيال القادمة ، ويمر الزمن ويتيح اللّه لعباده من أسرار آياته في الأرض ما يشاء ، فيكون عطاء القرآن متساويا مع قدرة العقول . . . لما ذا ؟ لأن الرسالات التي سبقت الإسلام كانت محدودة بالزمان والمكان ، أما القرآن الكريم فزمنه حتى يوم القيامة . . . ولذلك فلا بد أن يقدم إعجازا لكل جيل ليظل القرآن معجزة في كل عصر » « 3 » .
هامش
( 1 ) الشعراوي ، تفسير الشعراوي ، ( 1 / 9 ) .
( 2 ) المصدر نفسه .
( 3 ) المصدر نفسه . ( 1 / 12 ) .