ويرى الشعراوي أن القرآن نزل متحديا العرب في إعجازه البلاغي لأن العرب كانوا يملكون ناصية البيان ويبزّون الأقوام الأخرى في الفصاحة وفنّ القول ، غير أن الشعراوي يؤكد أن القرآن تحدّى غير العرب فيما يملكون لأن الإسلام دين الناس جميعا ، « والقرآن نزل يتحدى العرب في اللغة والبلاغة . . . ولكن لأنه دين للناس جميعا . . . فلا بد أن يتحدى غير العرب فيما نبغوا فيه . . . ولذلك نزل متحديا لغير العرب وقت نزوله . . . فقد حدثت حرب بين الروم والفرس وقت نزول القرآن ، وكانت الروم والفرس - تمثلان في عصره الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي - « 1 » . أعظم دولتين في ذلك العصر ، وحدثت الحرب بينهما وانهزم الروم » « 2 » وإذ بالقرآن ينزل .
ألم ( 1 ) غُلِبَتِ الرُّومُ ( 2 ) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ( 3 ) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ( 4 )
« 3 » .
ثم يشير الشعراوي إلى مسألة هامة مؤكدة للباحث المنصف صدق دعوى محمد بنبوته واتصاله بالوحي والإله الواحد : « لو أن هذا القرآن من عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فما الذي يجعله يدخل في قضية كهذه ؟ . . . وكيف يغامر الرسول صلى اللّه عليه وسلّم في كلام متعبد بتلاوته إلى يوم القيامة لا يتغير ولا يتبدّل بإعلان نتيجة معركة ستحدث بعد سنين ! » « 4 » .
ثم يجزم الشعراوي أن القرآن كتاب اللّه تعالى ، ولا يمكن أن يكون من نتاجات محمد صلى اللّه عليه وسلّم كما ادّعى بعضهم ، لأن محمدا بلّغ النص القرآني الموحى إليه بلفظه ومعناه ( القرآن ) ، وبلّغ الحديث النبوي ، وبلّغ الحديث القدسي ، والنصوص الثلاثة مختلفة أسلوبا ، ولا يعقل أن يكون للمرء ثلاثة أساليب في آن معا : « رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم لم يقرأ ولم يكتب . . .
هل يمكن أن تكون له ثلاثة أساليب متميزة تختلف بعضها عن بعض تماما . . . وهي أسلوب القرآن الكريم ، وأسلوب الأحاديث القدسية ، وأسلوب الأحاديث النبوية ، لا توجد عبقرية في الدنيا من يوم أن خلقت إلى يومنا هذا لها ثلاثة أساليب لكل منها طابع مميز لا يتشابه مع الآخر . . . كيف يمكن أن يفرق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وهو يتكلم بين القرآن والحديث القدسي والحديث النبوي بحيث يعطي كلا منها طابعا وأسلوبا مختلفا عن الآخر . . . » « 5 » .
هامش
( 1 ) كان هذا قبل سقوطه .
( 2 ) الشعراوي ، تفسير الشعراوي ( 1 / 12 ) .
( 3 ) سورة الروم ، الآيات : ( 1 - 4 ) .
( 4 ) الشعراوي ، تفسير الشعراوي ، ( 1 / 13 ) .
( 5 ) المصدر نفسه ، ( 1 / 22 ) .