ميسور . . . والموضوع الفقهي الذي أريد الحديث عنه مثالا على الموضوعات الفقهية المطروحة في تفسير الوسيط هو :
واجب الشهود في شهاداتهم :
« لم نجد كالإسلام دينا يركز على مبدأ الحق والعدل في كل شيء ، في المعاملة والتعاقد ، والقضاء والشهادة ، والحكم بين الناس ؛ لأن قوام المجتمع لا يكون إلا بالعدل ، وسعادة الأفراد والجماعات لا تتوفر إلا بالعدل ، ولن يحفظ النظام وتنضبط شؤون الملك والدنيا وأحوال أهلها إلا بالعدل ، فالعدل أساس الملك الدائم ، وقاعدة الاطمئنان والاستقرار . والعدل في القرآن الكريم قائم على قاعدة الإيمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، إذ لا ثواب عند اللّه تعالى ولا احترام لمبدأ الحق والعدل إلّا إذا كان العمل كله مبنيا على أصول الإيمان التي ذكرناها .
قال اللّه تعالى آمرا القضاة والشهود بالعدل ، ومذكرا بالإيمان وقواعده :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ
« 1 »
بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا
« 2 »
وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا
« 3 »
فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً
« 2 » .
قال السدي : لما نزلت آية :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ
في النبي صلى اللّه عليه وسلّم اختصم إليه رجلان غني وفقير ، وكان صلى اللّه عليه وسلّم مع الفقير ، يرى أن الفقير لا يظلم الغني ، فأبى اللّه إلا أن يقوم بالقسط في الغني والفقير » « 5 » .
ويبرز الزحيلي في تفسيره الآيات ذات الصلة بالشهادة أهمية قول الحق والشهادة الحق المسهمة في إقامة العدل ، وهنا يبرز نداء الإسلام الداعي إلى إعلاء شأن العدل ، ورفع صوت الحق وإحقاقه ولو كان الخصم الوالدين أو الأقربين .
والشهادة بالحق على النفس والوالدين والأقارب أمر واجب ، ولو عاد ضررها على هؤلاء لأن الإحسان إلى النّفس والقرابة وبر الوالدين ، لا يكون بالظلم والانحراف عن الحق بل الإحسان والخير والبر وصلة القرابة في الحق والمعروف .
وليس للشاهد أن يراعي غنيا لغناه أو يرحم فقيرا لفقره ، بل يترك الأمر كلّه للّه ، فاللّه
هامش
( 1 ) مبالغين في القيام بالشيء على أتم وجه .
( 2 ) كراهة أن تعدلوا عن الحق .
( 3 ) تتركوا إقامتها .
( 5 ) وهبة الزحيلي ، التفسير الوسيط ، ( 1 / 393 ، 394 ) ، والآية من سورة النساء ، الآية : ( 135 ) .