طلب المشركين آيات تعجيزية :
ما من طلب يعجز اللّه عن إتيانه ، حاشاه وهو على كل شيء قدير . وإذا أراد شيئا « قال له كن فيكون » . . . وهذه الطلبات التعجيزية الخارقة تكشف عن طبيعة العقلية الشركية المكابرة غير الخاضعة للمعجزة العقلية القرآنية ، تلك المعجزة التي يمتلكون أدواتها المتجسدة في اللغة . . . فلجئوا إلى مطالبة الرسول صلى اللّه عليه وسلّم بست آيات تعجيزية « كلها غير مقدورة للبشر ، حدث هذا في مكة حينما اجتمع عتبة وشيبة ابنا ربيعة وعبد اللّه بن أمية والنضر بن الحارث وغيرهم من مشيخة قريش وساداتها ، وعرضوا على النبي صلى اللّه عليه وسلّم أن يملكوه إن أراد الملك ويجمعوا له الكثير من المال إن أراد الغنى أو يطببوه إن كان به داء » « 1 » .
عندئذ دعاهم الرسول صلى اللّه عليه وسلّم بدعوة الإصلاح ، وقال : « إنما جئتكم من عند اللّه بأمر فيه صلاح دينكم ودنياكم ، فإن سمعتم وأطعتم فحسن ، وإلّا صبرت لأمر اللّه ، حتى يحكم اللّه بيني وبينكم بما شاء » فقالوا له حينئذ : فإن كان ما تزعمه حقا ، ففجّر ينبوعا ونؤمن لك ولتكن لك جنة ( بستان ) . . . إلى غير ذلك مما كلفوه ، فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : هذا كلّه إلى اللّه ، ولا يلزمني اقتراح هذا ولا غيره ، وإنما أنا مستسلم لأمر اللّه تعالى . هذا هو معنى الحديث في سبب نزول الآيات « 2 » :
وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً
« 3 »
( 90 ) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً ( 91 ) أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً
« 4 »
أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا
« 5 »
( 92 ) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ
« 6 »
أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا
« 7 » .
هذه الآيات تكشف عن عدم اكتفاء المشركين بالمعجزة العقلية القرآنية إنما راحوا يتطلبون خوارق أخرى بعد أن أفحمتهم الأدلة القرآنية على صدق دعوة محمد بالنبوة والرسالة . . . فقال أساطينهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل وأبو سفيان والوليد بن المغيرة ، والنضر بن الحارث وأمية بن خلف وأبي البختري : لن نصدق برسالتك حتى تفجر
هامش
( 1 ) وهبة الزحيلي ، التفسير الوسيط ، ( 2 / 1384 ، 1385 ) .
( 2 ) المصدر نفسه ، ( 2 / 1385 ) .
( 3 ) عين ماء .
( 4 ) قطعا .
( 5 ) مقابلة وعيانا .
( 6 ) ذهب .
( 7 ) سورة الإسراء ، الآيات : ( 90 - 93 ) .