ولهم دليل يقول : إن الرسول صلى اللّه عليه وسلّم مات قبل أن يبين لهم آية الرّبا ، فدلّ أنه فسّر غيرها من الآيات « فلعل هذه الآية كانت مما أشكل على الصحابة ، فكان لا بد من الرجوع فيها إلى النبي صلى اللّه عليه وسلّم شأن غيرها من الآيات المشكلة التي يعود فيها الصحابة إلى المرجع النبوي ساعة وقوع الإشكال » .
لكن الرسول صلى اللّه عليه وسلّم يبين الكثير من المعاني لأصحابه كما تشهد بذلك كتب الصحاح ، ولم يبين كل معاني القرآن ، وقد قال ابن عباس فيما رواه ابن جرير : التفسير على أربعة أوجه :
وجه تعرفه العرب من كلامها ، وتفسير لا يعذر أحد [ من المسلمين ] بجهالته . وتفسير تعرفه العلماء ، وتفسير لا يعلمه إلّا اللّه « 1 » .
وبديهي أن الرسول صلى اللّه عليه وسلّم لم يفسر للصحابة العرب الأقحاح ما يرجع تفسيره إلى كلام العرب لأن عامة الصحابة يفهمون القرآن . وإن كانت بعض الإشكالات قد وقعت لبعض الصحابة ، ولكنها قليلة نادرة .
ولا بد من العودة إلى القاعدة القائلة : إن الخلاف بين السلف في التفسير قليل وغالب ما يصحّ عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد ، وذلك صنفان :
أحدهما : أن يعبّر واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه ، تدل على معنى في المسمّى غير المعنى الآخر ، مع اتحاد المسمّى ، كتفسيرهم
الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
بعض بالقرآن أي اتباعه وبعض بالإسلام ، فالقولان متفقان لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن . . . » .
الثاني : أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل وتنبيه المستمع على النوع لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه ، مثاله : ما نقل في قوله تعالى :
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا
« 2 » الآية . فمعلوم أن الظالم لنفسه يتناول المضيع للواجبات والمنتهك للحرمات ؛ والمقتصد يتناول فاعل الواجبات وتارك المحرمات ، والسابق يدخل فيه من سبق فتقرب بالحسنات مع الواجبات .
فالمقتصدون أصحاب اليمين ، والسابقون السابقون أولئك المقربون . . .
وقال : وهذان الصنفان اللذان ذكرناهما في تنوع التفسير ، تارة لتنوع الأسماء
هامش
( 1 ) انظر تفسير ابن جرير الطبري ، ط ، الأميرية ( 1323 ه ) ، ( 1 / 25 ) .
( 2 ) سورة فاطر ، الآية : ( 32 ) .