فألقوا في الحرة يستسقون فما يسقون حتى ماتوا » « 1 » .
ويعلل ابن عاشور تعليلا جميلا العقاب الشديد الذي أنزله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم بهؤلاء المارقين بقوله : « لأنهم أرادوا أن يكونوا قدوة للمشركين في التمثيل بإظهار الإسلام للتوصل إلى الكيد للمسلمين ، ولأنهم جمعوا في فعلهم جنايات كثيرة ، قال أبو قلابة [ راوي الحديث عن أنس رضي اللّه عنه ] : « فما ذا يستبقى من هؤلاء ، قتلوا النفس وحاربوا اللّه ورسوله ؟ » « 2 » وهناك رواية تقول إن الآية نزلت في قوم من أهل الكتاب ، والصحيح ما ذكرناه أولا .
من هذا يظهر أن اعتماد ابن عاشور في فهم النصوص معتمد على حد كبير على الظروف والمناخ الذي تنزل فيه النّص ، وعلى الأحاديث والمأثورات الواردة ، لكن بعد تدقيقها والموازنة بينها . ورأينا كيف ردّ الرواية المنقولة عن ابن عباس والتي تقول - مخالفة رواية البخاري - أن آية :
إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ . . .
نزلت في قوم أهل الكتاب . ليرجح رواية البخاري . ولكنه لم يقف أيضا عند حدود المأثور ، لأن في هذا تضييق على معاني القرآن الذي لا تقضى عجائبه ، والصحابة لم يكتبوا بالمأثور الوارد - وسأل عمر أهل العلم عن تفسير معاني آيات كثيرة - كذلك فإن المأثور عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم والصحابة في هذا المجال ضيق غير كاف « 3 » .
موقفه من الإسرائيليات :
قلنا فيما سبق إن ابن عاشور كان عالما مبرّزا رفض التقليد ، وأخذ الروايات دونما تمحيص . . . لذا فإنه كان مبتعدا عن الإسرائيليات المروية عن أهل الكتاب الذين أسلموا مكتفيا بالحديث الصحيح ، والمأثور السالم من القدح عن الصحابة والتابعين رضي اللّه عنهم ، ويخضع ما ينقله للمناقشة من جانب السند ، والدراية من جانب المتن .
كان تفسير ابن عاشور في ثلاثين مجلدا تسهيلا للاستفادة ، وسهولة البحث فيه .
وذكرنا في مقدمة البحث اعتماده على أمهات التفاسير على نحو ما كشف عن ذلك هو بقوله : « الكشاف ، والمحرر الوجيز لابن عطية ، والبيضاوي ، والشهاب الألوسي ، وأبي السعود ، والقرطبي . . . إلخ ، ورأينا مقدماته العشرة التي تناول فيها قضايا هامة مثل :
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في ( الحديث : 3108 ، 4192 ، 4610 ) .
( 2 ) انظر محمد الطاهر بن عاشور ، التحرير والتنوير ، في تفسير سورة المائدة .
( 3 ) محمد الطاهر بن عاشور ، التحرير والتنوير ، ( 1 / 30 ) في المقدمة الثالثة : صحة التفسير بغير المأثور .