تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير و المفسرون في العصر الحديث — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
والسدي ومقاتل أن خلق السماء متقدم واحتجوا بقوله تعالى :
أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها ( 27 ) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها ( 28 )
« 1 » . إلى قوله :
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها ( 30 )
« 2 » . ويذكر رأي من قال بخلق الأرض أولا ويستعين بالعلم في ترجيح هذا الرأي على غيره : « وقد أجيب [ على الرأي القائل : إن السماء خلقت أولا ] بأن الأرض خلقت أولا ثم خلقت السماء ثم دحيت الأرض فالمتأخر عن خلق السماء هو دحو الأرض » « 3 » . والمرجح في ذلك عند ابن عاشور لأن هذا « ما ذهب إليه علماء طبقات الأرض من أن الأرض كانت في غاية الحرارة ثم أخذت تبرد حتى جمدت وتكوّنت منها قشرة جامدة ثم تشققت وتفجرت وهبطت منها أقسام وعلت أقسام بالضغط إلا أن علماء طبقات الأرض يقدرون لحصول ذلك أزمنة متناهية الطول وقدرة اللّه صالحة لإحداث ما يحصل به ذلك التقلب في أمد قليل بمقارنة حوادث تعجل انقلاب المخلوقات عما هي عليه » « 4 » . ويرجح ابن عاشور القول الأول الذي قال إنّ السماء خلقت قبل الأرض والتعليل : لأن لفظ : « بعد ذلك » أظهر في إفادة التأخر عن قوله :
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ
ولأن أنظار علماء الهيئة ترى أن الأرض كرة انفصلت عن الشمس كبقية الكواكب السيارة من النظام الشمسي وظاهر سفر التكوين يقتضي أن خلق السماوات متقدم على الأرض . وأحسب أن سلوك القرآن في هذه الآيات أسلوب الإجمال في هذا الغرض لقطع الخصومة بين أصحاب النظريتين » « 5 » . ومرة أخرى يتأول الاستواء على ما أراده السلف : « والاستواء أصله الاستقامة وعدم الاعوجاج يقال صراط مستو ، واستوى فلان وفلان واستوى الشيء مطاوع سواء ويطلق مجازا على القصد إلى الشيء بعزم وسرعة كأنه يسير إليه متساويا لا يلوي على شيء ، فيعدّى بإلى فتكون إلى قرينة المجاز وهو تمثيل ، فمعنى استواء اللّه تعالى إلى السماء تعلق إرادته التنجيزي « 6 » بإيجادها تعلقا يشبه الاستواء في التهيؤ للعمل العظيم المتقن » « 7 » .
هامش
( 1 ) سورة النازعات ، الآيتان : ( 27 ، 28 ) . ( 2 ) سورة النازعات ، الآية : ( 30 ) . ( 3 ) محمد الطاهر بن عاشور ، التحرير والتنوير ، ( 1 / 378 ) . ( 4 ) المصدر نفسه . ( 5 ) المصدر نفسه ، ( 1 / 378 ، 379 ) . ( 6 ) التنجيز من الإنجاز : العزم على الإيجاد . ( 7 ) محمد الطاهر بن عاشور ، التحرير والتنوير ، ( 1 / 378 ، 379 ) .