في توضيح دلالات ومعاني الآيات الكريمة . . . ولا أرى في ذلك عيبا شريطة الاستعانة بالعلم الذي أصبح علما حقيقيا وليس مجرد ظنون واحتمالات . . . لئلا نضطر إلى تغيير ما قلناه في دلالات الآيات الكريمة التي وفقنا بينها وبين العلم الحديث . . . فهذا من شأنه أن يسيء إلى دلالات النص الكريم ، ويجعله عرضة للغيّ بما يناسب الظنون بل الأوهام أحيانا . . . ويتوجب عدم الانجرار مع القول القائل بضرورة السبق في اكتشاف كل شيء من خلال القرآن ، فهذا ليس بضروري إنما الضروري الإدراك أن رسالة القرآن رسالة هداية للعقول إلى التوحيد . . . وهداية للقلوب ، وتربية للنفوس .
تفسير ابن عاشور والحديث النبوي الشريف :
بكل تأكيد لم يكن ابن عاشور من المعرضين عن هدي سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم إنما الحق يقال إن ابن عاشور لم يستشهد بنسبة كبيرة من الأحاديث الشريفة لاعتقاده أن الرسول صلى اللّه عليه وسلّم لم يفسر إلا القليل . وهذا صحيح .
أما استشهاداته بالمأثور من التفسير فهذا مثبوت بكتابه ، نراه ناقلا عن الصحابة ناقدا الروايات ، مميّزا سمينها من غثّها .
وهذا مثال يوضح استشهاداته بالسنة الشريفة ، عندما فسّر قوله تعالى :
إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 33 )
« 1 » .
يرى ابن عاشور أن هذه الآية « نزلت في شأن حكم النبي صلى اللّه عليه وسلّم في العرنيين ، وبه يشعر صنيع البخاري إذ ترجم بهذه الآية من كتاب التفسير ، وأخرج عقبه حديث أنس بن مالك في العرنيين والحديث : « قدم على النبي صلى اللّه عليه وسلّم نفر من عكل وعرينة « 2 » فأسلموا ثم أتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فقالوا : قد استوخمنا هذه الأرض ، فقال لهم : هذه نعم فأخرجوا فيها فاشربوا ألبانها وأبوالها فخرجوا فيها فشربوا من أبوالها وألبانها ، واستصحّوا فمالوا على الراعي فقتلوه واطّردوا الذود وارتدوا . فبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وراءهم ، بعث جرير بن عبد اللّه في خيل فأدركوهم وقد أشرفوا على بلادهم فما ترجّل النهار حتى جيء بهم ، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسملت أعينهم بمسامير أحميت ، ثم حبسهم حتى ماتوا ، وقيل أمر بهم
هامش
( 1 ) سورة المائدة ، الآية : ( 33 ) .
( 2 ) هم سبعة ؛ ثلاثة من عكل وأربعة من عرينة . وعكل : قبيلة من تيم الرباب بن عبد مناف بن طابخة بن إلياس بن مضر ، وعرينة : قبيلة من قضاعة .