تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير و المفسرون في العصر الحديث — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
اللّه تعالى عن المشابهة بالمخلوقين ، وهذا لا غبار عليه - نراه يعتبر أن الذين أثبتوا للّه ما أثبته لنفسه يسمهم بالمؤولة الجملية ، ويسم تأويل الخلف بالتأويل التفصيلي « وإذا اتفقنا على هذا الأصل لم يبق خلاف في تأويل النصوص الموهمة التشبيه إلّا أن تأويل سلفنا كان تأويلا جمليّا ، وتأويل خلفهم تأويلا تفصيليا كتأويلهم اليد بالقدرة والعين بالعلم وبسط اليدين بالجود ، والوجه بالذات ، والنزول بتمثيل حال الإجابة ، والقبول بحال نزول المرتفع من مكانه الممتنع إلى حيث يكون سائلوه لينيلهم ما سألوه . لهذا قالوا : طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم « 1 » . وظني أن طريقة السلف أسلم لأنها عقيدة الأجيال المشهود لها بالخيرية ، والأعلم لأنهم أشد فقها لمقاصد النصوص فتعاملوا بها بالعمل لا بالجدل لا ما حصل بالقرون المتأخرة . لكن يمكن القول : إن ابن عاشور ليس معارضا للسلف ولا للخلف ، ولكن طريقة تناوله لآيات الصفات منسجمة مع طريقة الخلف أكثر واللّه أعلم .

تفسير ابن عاشور والنظريات العلمية :

لوحظ أن ابن عاشور يستعين بفهم النصوص القرآنية ببعض النظريات العلمية ذات الصلة ، فعند تفسيره قوله تعالى :
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 29 )
« 2 » يقول ابن عاشور . « . . . فأما هذه الآية فإنه إذا كانت السماوات متأخرا خلقها عن خلق الأرض فثم للتراخي الترتبي لا محالة مع التراخي الزمني ، وإن كان خلق السماوات سابقا فثم للترتيب الرتبي لا غير » « 3 » . ويرجح ابن عاشور الثاني . . . وينقل اختلاف السلف حول المتقدم في الخلق السماوات أم الأرض ؟ وقال الجمهور بتقدم خلق الأرض ومن أصحاب هذا الرأي الحسن ومجاهد ونسب مثله إلى ابن عباس رضي اللّه عنه ، واستدلوا بقوله تعالى :
قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ
« 4 » . إلى أن قال :
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ
« 5 » . . . وقال قتادة
هامش
( 1 ) محمد الطاهر بن عاشور ، التحرير والتنوير ، ( 25 / 116 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية : ( 29 ) . ( 3 ) محمد الطاهر بن عاشور ، التحرير والتنوير ، ( 25 / 378 ) . ( 4 ) سورة فصلت ، الآية : ( 9 ) . ( 5 ) سورة فصلت ، الآية : ( 11 ) .
التفسير و المفسرون في العصر الحديث — صفحة 146 | عبد القادر محمد صالح