الْأَكْرَمُ ( 3 ) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ( 4 ) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ( 5 )
« 1 » .
فأخبر سبحانه أنه خلق الحقائق الموجودة ، وعلم الحقائق العلمية ، وذكر تعليمه بالقلم وهو الخط ، وهو مستلزم تعليم البيان النطقي وهو العبارة ، وتعليم العلم بمدلولها وهو الصورة العلمية المطابقة للحقيقة ، فأول المراتب الوجود الخارجي ، وبينه وبين الكتابة مرتبتان ، وبينه وبين الوجود العلمي مرتبة اللفظ فقط ، وليس بينه وبين اللفظ مرة أخرى » « 2 » .
ويخلص ابن القيم إلى نتيجة تقول : « إذا عرف هذا فكون الرب تعالى وأسمائه وصفاته في الكتاب غير كون كلامه في الكتاب فهذا شيء ، وهذا شيء ، فكونه في الكتاب هو اسمه وأسماء صفاته والخبر عنه وهو نظير كون القيامة والجنة والنار والصراط والميزان في الكتاب ، إنما ذلك أسماؤها والخبر عنها ، وأما كون كلامه في المصحف والصدور ، فهو نظير كون كلام رسوله في الكتاب وفي الصدور ، فمن سوّى بين المرتبتين فهو ملبس أو ملبوس عليه » « 3 » .
ولكن ابن عاشور في آيات الصفات تراه ليس متحمسا كثيرا لتأويلات المتكلمين من الخلف ، ولا من المتقدمين من السلف . ولكنه كان منزها اللّه تعالى عن مشابهة المخلوقين في كل حال ، قال في معرض تفسيره لقوله تعالى :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
« 4 » .
« واعلم أن هذه الآية نفت أن يكون شيء من الموجودات مثلا لله تعالى . والمثل يحمل عند إطلاقه على أكمل أفراده ، قال فخر الدين : « المثلان هما اللذان يقوم كل واحد منهما مقام الآخر في حقيقته وماهيته » فلا يسمى مثلا حقا إلا المماثل في الحقيقة والماهية وأجزائها ولوازمها دون العوارض ، فالآية نفت أن يكون شيء من الموجودات مماثلا للّه تعالى في صفات ذاته ، لأن ذات اللّه تعالى لا يماثلها ذوات المخلوقات ، ويلزم من ذلك أن كل ما ثبت للمخلوقات في محسوس ذواتها فهو منتف عن ذات اللّه تعالى لا يماثلها . وبذلك كانت هذه الآية أصلا في تنزيه اللّه تعالى عن الجوارح والحواس والأعضاء عند أهل التأويل ، والذين أثبتوا للّه تعالى ما ورد في القرآن مما نسميه بالمتشابه فإنما أثبتوه مع التنزيه عن ظاهره إذ لا خلاف في إعمال قوله تعالى :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
وأنه لا شبيه ، ولا نظير له « 5 » .
وبعد أن يؤسس ابن عاشور مفهوما مؤيدا للسلف والخلف - لأن الفريقين كان منزها
هامش
( 1 ) سورة العلق ، الآيات : ( 1 - 5 ) .
( 2 ) ابن القيم ، الصواعق المرسلة ، ص ( 496 ) .
( 3 ) المصدر نفسه .
( 4 ) سورة الشورى ، الآية : ( 11 ) .
( 5 ) محمد الطاهر بن عاشور ، التحرير والتنوير ، ( 25 / 116 ) .