تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير و المفسرون في العصر الحديث — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
والبصر يستدعيان الأذن والعين ، واللّه أعلم » . وأختم بحث كلام اللّه تعالى بهذه الفقرة : قال إبراهيم الحربي : « كنت جالسا عند أحمد بن حنبل إذ جاءه رجل فقال : يا أبا عبد اللّه إن عندنا قوما يقولون إن ألفاظهم بالقرآن غير مخلوقة . قال أبو عبد اللّه [ وهو أحمد بن حنبل ] : يتوجه العبد بالقرآن بخمسة أوجه وهو فيها غير مخلوق : حفظ بقلب ، وتلاوة بلسان ، وسمع بأذن ، ونظرة ببصر ، وخط بيد فالقلب مخلوق والمحفوظ غير مخلوق ، والتلاوة مخلوقة ، والمتلو غير مخلوق ، والسمع مخلوق ، والمسموع غير مخلوق ، والنظر مخلوق والمنظور غير مخلوق ، والكتابة مخلوقة ، والمكتوب غير مخلوق » « 1 » . ثم أنه من المقبول عقلا وفطرة « أن الكلام يكتب في المحال من الورق والخشب وغيرها ، ويسمى محله كتابا ، ويسمى نفس المكتوب كتابا فمن الأول قوله تعالى :
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ( 77 ) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ
« 2 » . ومن الثاني قوله :
وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ
« 3 » . . . ولكن تسمية المحل مشروطة بوجود المكتوب فيه ، وهذا كما أن تسمية القصبة قلما مشروطة بكونها مبروءة ، وتسمية الدار قرية مشروطة بكونها مأهولة بالسكن ، وتسمية الإناء كأسا مشروطة بوضع الشراب فيه . . . ، بل اشتراط وجود المكتوب في المحل يصحح هذه التسمية أظهر من ذلك كله » . « . . . وقد أخبر اللّه سبحانه وتعالى عن تعدد محله بالكتاب ، وتارة بالرق ، وتارة بصدور الحفاظ كما قال تعالى :
بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ
« 4 » . وقد أوضح ابن القيم : « أن وجود الكلام في المصحف ليس بمنزلة وجود الحقائق الخارجية فيها ولا بمنزلة وجودها في محالّها وأماكنها وظروفها ، ويجد الفرق بين كون الكلام في الورقة وبين كون الماء في الظرف . فها هنا ثلاثة معان متميزة ، لا يشبه كلّ منها الآخر ، فإن الحقائق الموجودة لها وجود عين ثم تعلم بعد ذلك ، ثم يعبر عن العلم بها ثم تكتب العبارة عنها ، فهذا العلم والعبارة والخط ليس هو أعيان تلك الحقائق ، بل هو وجودها الذهني العلمي في محله ، وهو القلب والذهن ، ووجودها اللفظي النطقي في محله وهو اللسان في الآدمي ، ووجودها الرسمي الخطي في محله وهو الكتاب أو ما يقوم مقامه من حفر في حجر أو خشب ، وقد افتتح اللّه وحيه إلى رسوله بإنزال :
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ( 2 ) اقْرَأْ وَرَبُّكَ
هامش
( 1 ) ابن القيم ، الصواعق المرسلة ، ص ( 491 ) . ( 2 ) سورة الواقعة ، الآية : ( 78 ) . ( 3 ) سورة الأنعام ، الآية : ( 7 ) . ( 4 ) سورة العنكبوت ، الآية : ( 49 ) .