تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير و المفسرون في العصر الحديث — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢

2 - موقف ابن عاشور من صفة الكلام :

وبعد هذه الآيات والآراء التي تتحدث عن الوحي وأنواعه يأتي محمد الطاهر ابن عاشور إلى موضوع يتعلق بصفات اللّه أو واحدة من صفاته ألا وهي صفة الكلام . فيقول : قال تعالى :
وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً
« 1 » . وقوله تعالى :
قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي
« 2 » . يقول عن ذلك : « يدل على أنه كلام له خصوصية هي أنه أوجده اللّه إيجادا بخرق العادة ليكون بذلك دليلا على أن مدلول ألفاظه مراد اللّه تعالى ومقصود له كما سمي الروح الذي تكوّن به عيسى روح اللّه لأنه تكوّن على سبيل خرق العادة ، فاللّه خلق الكلام الذي يدل على مراده خلقا غير جار على سنة اللّه في تكوين الكلام ، ليعلم الناس أن اللّه أراد إعلامهم بأنه أراد مدلولات ذلك الكلام بآية أنه خرق فيه عادة إيجاد الكلام ، فكان إيجادا غير مولّد من علل وأسباب عادية ، فهو كإيجاد السماوات والأرض وإيجاد آدم في أنه غير متولد من علل وأسباب فطرية » « 3 » . ويقول : « إنّ حقيقة الإلهية لا تقتضي لذاتها أن يكون اللّه متكلما ، كما تقتضي أنه واحد ، حيّ ، عالم ، قدير ، مريد ، ومن حاول جعل صفة الكلام من مقتضى الإلهية على تنظير الإله بالملك بناء على أنّ الملك يقتضي مخاطبة الرعايا بما يريد الملك منهم فقد جاء بحجة خطابية ، بل الحق أن الذي اقتضى إثبات كلام اللّه هو وضع الشرائع الإلهية أي تعلق إرادة اللّه بإرشاد الناس إلى اجتناب ما يخل باستقامة شؤونهم بأمرهم ونهيهم وموعظتهم ووعدهم ووعيدهم من يوم نهى آدم عن الأكل من الشجرة ، وتوعده بالشقاء إن أكل منها ، ثم من إرسال الرسل إلى الناس وتبليغهم إياهم أمر اللّه ونهيه بوضع الشرائع . . . » « 4 » . ويقول ابن عاشور : « ولما لم يرد في الكتاب والسّنة وصف اللّه بأنه متكلم ، ولا إثبات صفة له تسمّى الكلام ولم تقتضي ذلك حقيقة الإلهية ، ما كان ثمة داع إلى إثبات ذلك عند أهل التأويل » « 5 » . غير أني لا أدري ما يقوله ابن عاشور عندما تحدّى القرآن آلهة المشركين ووصفها بالعجز عن البيان والنطق فطلب إبراهيم عليه السّلام أن يسألوا آلهتهم :
قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ
هامش
( 1 ) سورة النساء ، الآية : ( 164 ) . ( 2 ) سورة الأعراف ، الآية : ( 144 ) . ( 3 ) محمد الطاهر بن عاشور ، التحرير والتنوير ، ( 25 / 199 ) . ( 4 ) المصدر نفسه . ( 5 ) المصدر نفسه ، ( 25 / 200 ) .