من هذا يظهر أن إطلاق الوحي على ما فطر اللّه عليه الحيوان من الإلهام المتقن الدقيق كقوله تعالى :
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ
« 1 » .
فالوحي هنا نوع من أنواع إلقاء كلام اللّه إلى الأنبياء ، وهو النوع الأول في العد ، فأطلق الوحي على الكلام الذي يسمعه النبي بكيفية غير معتادة ، وهذا الإطلاق من مصطلح القرآن وهذا الغالب في إطلاقات الكتاب والسنة ، ومنه قول زيد بن ثابت « فعلمت أنه يوحى إليه ثم سرّي عنه » فقرأ
غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ
« 2 » ولم يقل : فنزل إليه جبريل ، والوحي بهذا المعنى غير الوحي الذي سيجيء في قوله :
أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ
.
والمراد بالوحي هنا : إيقاع مراد اللّه في نفس النبي يحصل له به العلم بأنه من عند اللّه ، فهو حجة للنبي لمكان العلم الضروري ، وحجة للأمة لمكان العصمة من وسوسة الشيطان ، وقد يحصل لغير الأنبياء ، ولكنه غير مطّرد ولا منضبط ، مع أنه واقع وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدّثون ، فإن يكن في أمتي منهم أحد فعمر ابن الخطاب » قال ابن وهب : محدّثون : ملهمون » « 3 » .
وقد يلهم بعض الصالحين ، غير أن إلهاماتهم ليست من الدين على ما يرى ابن عاشور « لأن غير المعصوم لا يوثق بصحة خواطره ، إذ ليس معصوما من وسوسة الشيطان » « 4 » وإذا كان إلهامات بعضهم تشرع في الدين فهذه قرينة تؤكّد أنها معبرة عن وساوس لأن الدين بلّغه الرسول صلى اللّه عليه وسلّم كاملا .
والنوع الثاني : أن يكون الكلام من وراء حجاب يسمعه سامعه ولا يرى مصدره بأن يخلق اللّه كلاما في شيء محجوب عن سامعه وهو ما وصف اللّه هنا بقوله :
أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ
.
والمعنى : أو محجوبا المخاطب - بالفتح - عن رؤية مصدر الكلام ، فالكلام كأنه من وراء حجاب .
وهذا مثل تكليم اللّه تعالى موسى في البقعة المباركة من الشجرة ، ويحصل علم المخاطب بأن ذلك الكلام من عند اللّه أول مرة بآية يريه اللّه إياها يعلم أنها لا تكون إلا
هامش
( 1 ) سورة النحل ، الآية : ( 68 ) .
( 2 ) سورة النساء ، الآية : ( 95 ) .
( 3 ) محمد الطاهر بن عاشور ، التحرير والتنوير ، ( 25 / 195 ، 196 ) . والحديث أخرجه مسلم في ( الحديث : 6154 ) ، والترمذي في ( الحديث : 3693 ) .
( 4 ) محمد الطاهر بن عاشور ، التحرير والتنوير ، ( 25 / 197 ) .