تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير و المفسرون في العصر الحديث — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
الأولون وما كان اللّه ليخاطب رسله على الأنحاء التي اقترحها المشركون على النبي صلى اللّه عليه وسلّم فجيء بصيغة حصر مفتتحة بصيغة الجحود المفيدة مبالغة النفي وهي : « وما كان لبشر أن يكلمه اللّه إلا وحيا . . . » . أي لم يتهيأ لأحد من الرسل أن يأتيه خطاب من اللّه إلّا بنوع من هذه الثلاثة » « 1 » . ويرى ابن عاشور أن الآية حاسمة في نفي تكليم اللّه تعالى لرسله بغير هذه الأنواع الثلاثة ليصل إلى نتيجة مرتبة على هذا الحكم تقول : « فإنه إذا كان الرسل لا يخاطبهم اللّه إلّا بأحد هذه الأنحاء الثلاثة وهو مما يدخل في قوله :
أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ
« 2 » . وأما مقاصد الخطاب فقد يكون خطابا للرسل لأمر يتعلق بهم ، قال تعالى :
يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ( 1 ) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ( 2 )
« 3 » . وقد يكون لإبلاغهم شرائع للأمم مثل منحهم القرآن والتوراة ، أو إبلاغهم مواعظ لهم مثل الزبور ومجلة لقمان » « 4 » . والمراد « بالتكلم » « بلوغ مراد اللّه إلى النبي سواء كان ذلك البلوغ بكلام يسمعه ولا يرى مصدره أو بكلام يبلغه إليه الملك عن اللّه تعالى ، أو بعلم يلقى في نفس النبي يوقن بأن مراد اللّه بعلم ضروري يجعله اللّه في نفسه » « 5 » . « وإسناد فعل « يكلّمه » إسناد مجازي عقلي « 6 » . . . وبهذا الاعتبار صار استثناء الكلام الموصوف بأنه وحي استثناء متصلا . وأما الوحي : فهو الإشارة الخفية ، ومنه :
فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا
« 7 » يطلق على ما يجده المرء من الكلام في نفسه .
هامش
( 1 ) محمد الطاهر بن عاشور ، التحرير والتنوير ، ( 25 / 195 ) . ( 2 ) سورة الشورى ، الآية : ( 51 ) . ( 3 ) سورة المزمل ، الآيتان : ( 1 ، 2 ) . ( 4 ) محمد الطاهر بن عاشور ، التحرير والتنوير ، ( 25 / 195 ) . ( 5 ) المصدر نفسه . ( 6 ) المجاز العقلي : كقولك : ( رأيت شمسا تتحدث ) أي أنك جعلت للمرأة معنى الشمس ولا يكون إلا باعتبار ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به ، بمعنى أن العقل اعتبر المرأة الجميلة داخلة في جنس الشمس الحقيقية . واعتبار ما ليس في الواقع واقعا مجاز عقلي ، وتعريفه : إسناده الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هو له للملابسة بتأول . ( 7 ) سورة مريم ، الآية : ( 11 ) .