تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير و المفسرون في العصر الحديث — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
الحكم . . . وهي مطردة يقاس عليها ، والحكمة : ليست باعثة على تشريع الحكم ولا يقاس عليها ، إنما ثمرة من ثمار تشريع الحكم وتطبيقه على واقع الحياة الإنسانية . وهكذا يظهر أن ابن عاشور يجعل العلوم متكاتفة ، متآلفة ، تساق في مجرى واحد هو مجرى فهم النص القرآني فهما صحيحا مقنعا من خلال أدوات علم التفسير ، اللغة وأصول الفقه ، وعلم الحديث النبوي الشريف . . . محاولا بذلك الوصول إلى رأي سديد ارتآه عن طريق الترجيح بين الآراء دون أن ينال من مخالفيه بالرأي ، لإدراكه أن الآراء الإسلامية المخالفة لم تنجم عن هوى ، ولم تولد من الفراغ ، إنما هي ثمرة منهجية وبحث واستقصاء ، فإن أصاب أصحابها فلهم أجران ، وإن أخطئوا فلهم أجر واحد . وبهذا يزداد البحث العلمي في ساحة الثقافة الإسلامية ثراء ونماء وخصوصية ، كي يعطي ثمرا نظيفا ، خاليا من العقد والتشوهات ، وحسب الآراء الإسلامية نقاء أنها ناتجة عن منهجية منضبطة قادرة على إنتاج الآراء باستمرار .

ابن عاشور ومسائل العقيدة :

العقيدة الإسلامية هي الأساس الذي تنعقد عليها كل قضايا الإسلام الفرعية . . . لذا كان موضوع العقيدة محل خصام شديد بين الإسلام ومخالفيه . . . فعبر مسيرة الحياة الإسلامية تعرّضت الكثير من أسس العقيدة لمحاولات الهدم والتشكيك أكثر من مرة ، وانبرى المدافعون للرد على أولئك ، فبحسن نية منهم وقعوا فيما وقعوا من الخطأ . . . ومن هذه الأمور : مسألة الوحي وأشكاله ، مسألة كلام اللّه ، والقضاء والقدر ، وصفات الخالق . . . وغير ذلك . . . وتسرب هذا الأمر إلى التفاسير القرآنية قديمها وحديثها بأقساط متباينة . . . وفيما يلي نحاول معرفة موقف ابن عاشور من بعض مسائل العقيدة مستعينين بتفسيره المعروف بتفسير ابن عاشور أو « التحرير والتنوير » .

1 - مسألة الوحي كما طرحها ابن عاشور :

قال تعالى : في محكم كتابه الكريم :
* وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ( 51 )
« 1 » . يقول ابن عاشور : « بيّن اللّه للمكذبين أن سنة اللّه في خطاب رسله لا تعدو ثلاثة أنحاء من الخطاب : منها ما جاء به القرآن فلم يكن ذلك بدعا مما جاءت به الرسل
هامش
( 1 ) سورة الشورى ، الآية : ( 51 ) .
التفسير و المفسرون في العصر الحديث — صفحة 138 | عبد القادر محمد صالح