وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ، وحمزة ، وأبو بكر وعن عاصم وخلف بخفض وأرجلكم . . . وللعلماء في هذه القراءة تأويلات : « منهم من أخذها بظاهرها فجعل حكم الرجلين المسح دون الغسل ، وروي هذا عن ابن عباس ، وأنس بن مالك ، وعكرمة والشعبي ، وقتادة » « 1 » .
وعن أنس بن مالك أنّه بلغه أن الحجاج خطب يوما بالأهواز فذكر الوضوء ، فقال :
« إنه ليس شيء من ابن آدم أقرب من خبثه من قدميه فاغسلوا بطونهما وظهورهما « وعراقيبهما » فسمع ذلك أنس بن مالك فقال : صدق اللّه وكذب الحجاج ، قال اللّه تعالى :
وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ
ورويت عن أنس رواية أخرى : قال : نزل القرآن بالمسح والسّنة بالغسل ، وهذا أحسن تأويل لهذه القراءة فيكون مسح الرجلين منسوخا بالسّنة ، ففي الصحيح أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم رأى قوما يتوضئون وأعقابهم تلوح ، فنادى بأعلى صوته : « ويل للأعقاب من النار مرتين » « 2 » . وأجمع الفقهاء بعد عصر التابعين على وجوب غسل الرجلين عدا الإمامية الذين قالوا : « ليس في الرجلين إلا المسح » . وقال ابن جرير الطبري : رأى التخيير بين الغسل والمسح وجعل القراءتين بمنزلة روايتين من الأخبار إذا لم يمكن ترجيح أحدهما ، على رأي من يرون التخيير في العمل إذا لم يعرف المرجح . واستأنس الشعبي لمذهبه « بأن التيمم يمسح فيها ما كان يغسل في الوضوء ويلغي فيه ما كان يمسح في الوضوء » « 3 » . « وبعض العرب تسمي الغسل الخفيف مسحا ، وهذا الإطلاق إن صح لا يصح أن يكون مرادا هنا لأن القرآن فرّق في التعبير بين الغسل والمسح « 4 » .
وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا
. . . إلى قوله
وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ
« 5 » .
وجملة :
ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ
تعليل لرخصة التيمم ، ونفي الإرادة هنا كناية عن نفي الجعل لأن المريد الذي لا غالب له لا يحول دون إرادته عائق .
واللام في « ليجعل » داخلة على أن المصدرية محذوفة وهي لام يكثر وقوعها بعد أفعال الإرادة . وأفعال مادة الأمر ، وهي لام زائدة على الأرجح وتسمى لام أن .
والحرج : الضيق ، والشدة . والحرجة : البقعة من الشجر الملتف المتضايق . والجمع :
حرج . والحرج المنفي هنا : هو الحرج الحسي لو كلفوا بطهارة الماء مع المرض أو
هامش
( 1 ) التحرير والتنوير ( 5 / 52 ) .
( 2 ) المصدر نفسه ، والحديث أخرجه الترمذي في ( الحديث : 41 ) .
( 3 ) المصدر نفسه .
( 4 ) المصدر نفسه .
( 5 ) سورة المائدة ، الآية : ( 6 ) ، وراجع الآية في تفسير المؤلف لسورة النساء .