واقتضى طلب غسل هذه الأعضاء عند كلّ قيام إلى الصلاة ، والأمر ظاهر في الوجوب . وقد وقف عند هذا الظاهر قليل من السلف فروي عن علي بن أبي طالب وعكرمة وجوب الوضوء لكل صلاة ونسبه الطبرسي إلى داود الظاهري ولم يذكر ذلك ابن حزم في المحلى ولم أره لغير الطبرسي » « 1 » .
وتطرق ابن عاشور إلى قول من قال بوجوب الوضوء لكل صلاة ، وقول من قال إنه نسخ بعد الفتح . وخلص إلى القول : « إن الوضوء لكل صلاة على وجه الاستحباب والأفضلية لا غير » « 1 » .
وأما الأعضاء الواجب غسلها ، فيقول ابن عاشور : « وما ذكر القرآن من أعضاء الوضوء هو الواجب وما زاد عليه سنة واجبة » « 3 » .
وحددت الآية الأيدي ببلوغ المرافق لأن اليد تطلق على ما بلغ الكوع وما إلى المرفق وما إلى الإبط ، فرفعت الآية الإجمال في الوضوء لقصد المبالغة في النظافة فسكتت في التيمم فعلمنا أن السكوت مقصود ، وأن التيمم لما كان مبناه على الرخصة اكتفى بصورة الفعل وظاهر العضو ، ولذلك اقتصر على قوله : « وأيديكم » في التيمم في هذه السورة وفي سورة النساء . وهذا من طريق الاستعادة بالمقابلة . وهو طريق بديع في الإيجاز أهمله علماء البلاغة وعلماء الأصول فاحتفظ به وألحقه بمسائلهما » « 4 » .
وحول غسل المرافق « رأى أن المرافق تغسل » بخلاف القائلين بأنها متروكة » « 5 » .
وقوله « وأرجلكم » : قرأه نافع ، وابن عامر ، والكسائي ، وحفص عن عاصم ، وأبو جعفر ، ويعقوب بالنصب عطفا على و « أيديكم » - وتكون جملة « وامسحوا برءوسكم » معترضة بين المتعاطفين ، وكأن فائدة الاعتراض الإشارة إلى ترتيب أعضاء الوضوء ، لأن الأصل في الترتيب الذّكري أن يدل على الترتيب الوجودي ، فالأرجل يجب أن تكون مغسولة ، إذ هي حكمة الوضوء هي النقاء والوضاءة والتنظف والتأهب لمناجاة اللّه تعالى تقتضي أن يبالغ في غسل ما هو أشد تعرضا للوسخ فإن الأرجل تلاقي غبار الطرقات ، وتفرز الفضلات بكثرة حركة المشي . . . » « 6 » . ولذلك فإن النبي صلى اللّه عليه وسلّم كان ينادي للذي لم يحسن غسل رجليه : « ويل للأعقاب من النار » « 7 » .
هامش
( 1 ) محمد الطاهر بن عاشور ، ( 5 / 49 ) .
( 3 ) ابن عاشور ، التحرير والتنوير ، ( 5 / 51 ) .
( 4 ) المصدر نفسه .
( 5 ) المصدر نفسه .
( 6 ) انظر التحرير والتنوير ( 5 / 52 ) .
( 7 ) التحرير والتنوير ( 5 / 52 ) ، والحديث أخرجه الترمذي في ( الحديث : 41 ) .