الوضوء كان مشروعا من قبل ذلك فقد ثبت أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم لم يصلّ صلاة إلا بوضوء » .
قال أبو بكر بن العربي : لا خلاف بين العلماء أن الآية مدنية ، ثم لا خلاف أن الوضوء كان مفعولا قبل نزولها غير متلوّ « 1 » ، ولذلك قال علماؤنا « 2 » : إن الوضوء كان بمكة مسنّة ، معناه كان مفعولا بالسّنة ، فأما حكمه فلم يكن قط إلا فرضا » « 3 » .
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن المالكي أبو بكر بن العربي عدّ الكافرين مكلفين بفروع الشريعة » « 4 » . بخلاف ما ذكره ابن عاشور » « 5 » . وذلك عند تعقيبه على قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ
.
ويتابع ابن عاشور : « فهذه الآية قررت حكم الوضوء ليكون ثبوته بالقرآن ، وكذلك الاغتسال فهو مشروع من قبل كما شرع الوضوء بل هو أسبق من الضوء ، لأنه من بقايا الحنيفية التي كانت معروفة حتى أيام الجاهلية » « 6 » .
« ومعنى
( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ )
: إذا عزمتم على الصلاة ، لأن القيام يطلق في كلام العرب بمعنى الشروع في الفعل ، قال الشاعر : [ من الطويل ]
فقام يذود الناس عنها بسيفه * وقال ألا لا من سبيل إلى هند
واستعملوا « قام » على العزم على الفعل ، قال النابغة :
« قاموا فقالوا حمانا غير مقروب » .
أي عزموا رأيهم فقالوا ، والقيام هنا كذلك بقرينة تعديته ب ( إلى ) لتضمينه معنى عمدتم إلى أن تصلوا .
وروى مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم أنه فسّر القيام بمعنى الهبوب من النوم وهو مروي عن السّدي . فهذه وجوه الأقوال في تفسير معنى القيام في هذه الآية وكلها تؤول إلى أن إيجاب الطهارة لأجل أداء الصلاة .
وأما ما يرجع إلى تأويل معنى الشرط الذي في قوله :
إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ
فظاهر الأمر بالوضوء عند كل صلاة » « 7 » . . .
هامش
( 1 ) غير متلو : أي لم ينزل به قرآن يتلى .
( 2 ) علماؤنا : قصد المالكية منهم .
( 3 ) أبو بكر ابن العربي ، أحكام القرآن ، ت علي محمد البجاوي ، ط ، دار المعرفة ، ( 2 / 558 ) .
( 4 ) المصدر نفسه ( 2 / 558 ) .
( 5 ) محمد الطاهر بن عاشور ، التحرير والتنوير ، ( 1 / 331 ) .
( 6 ) المصدر نفسه ، ( 5 / 49 ) .
( 7 ) المصدر نفسه ، ( 5 / 49 ) .