تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير و المفسرون في العصر الحديث — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
وأقول : لا يعني سيبويه أن ذلك معنى أصل لها ولكنه يعني أنها مجاز قريب من معنى الحقيقة لوقوع التعجيز في أحد جزأي المعنى الحقيقي ، لأن الرجاء يقتضي راجيا ومرجوا منه ، فحرف الرجاء على معنى فعل الرجاء إلا أنه معنى جزئي ، وكل من الفاعل والمفعول مدلول لمعنى الفعل بالالتزام ، فإذا دلّت قرينة على تعطيل دلالة حرف الرجاء على فاعل الرجاء لم يكن في الحرف أو الفعل مجاز ، إذ المجاز إنما يتطرق للمدلولات اللغوية لا العقلية ، وكذلك إذا لم يحصل الفعل المرجو . ثانيها : أن لعل « للإطماع » تقول للقاصد : لعلك تنال بغيتك ، قال الزمخشري : وقد جاءت على سبيل الإطماع في مواضع من القرآن . والإطماع أيضا معنى مجازي للرجاء لأن الرجاء يلزمه التقريب والتقريب يستلزم الإطماع فالإطماع لازم بمرتين . ثالثها : أنها للتعليل بمعنى كي ، قاله قطرب وأبو علي الفارسي وابن الأنباري ، وأحسب أن مرادهم هذا المعنى في المواقع التي لا يظهر فيها معنى الرجاء ، فلا يرد عليهم أنه لا يطرد في نحو قوله :
وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ
« 1 » لصحة معنى الرجاء بالنسبة للمخاطب فلا يرد عليهم أيضا أنه إثبات معنى في « لعل » لا يوجد له مشاهد من كلام العرب ، وجعله الزمخشري قولا متفرعا على قول من جعلها للإطماع فقال : « ولأنه إطماع من كريم إذا أطمع فعل » قال من قال : إن لعل بمعنى كي فهو معنى مجازي ناشئ عن مجاز آخر ، فهو من تركيب المجاز على اللزوم بثلاث مراتب . رابعها : ما ذهب إليه صاحب « الكشّاف » أنها استعارة فقال : « ولعل في الآية واقعة موقع المجاز لأن اللّه تعالى خلق عباده ليتعبّدهم ووضع في أيديهم زمام الاختيار وأراد منهم الخير والتقوى فهم في صورة المرجو أن يتقوا ليترجح أمرهم وهم محتارون بين الطاعة والعصيان » « 2 » . ويخلص بعد هذا إلى معنى جديد مستقل وهو : « أن لعل الواقعة في مقام تعليل أمر أو نهي لها استعمال يغاير استعمال لعل المستأنفة في الكلام سواء وقعت في كلام اللّه أم في غيره ، فإذا قلت : افتقد فلانا لعلك تنصحه كان إخبارا باقتراب وقوع الشيء وأنه في حيّز الإمكان إن تم ما علق عليه ، فأما اقتضاؤه عدم جزم المتكلم بالحصول فذلك معنى التزامي أغلبي قد يعلم انتفاؤه بالقرينة ، وذلك الانتفاء في كلام اللّه أوقع ، فاعتقادنا أن كل شيء لم يقع أو لا يقع في المستقبل هو القرينة على تعطيل هذا المعنى الالتزامي ، دون
هامش
( 1 ) سورة الشورى ، الآية : ( 17 ) . ( 2 ) محمد الطاهر بن عاشور ، التحرير والتنوير ، ( 1 / 324 ) .