للقول بخطاب الكفار بفروع الشريعة لأن الأمر بالعبادة بالنسبة إليهم إنما يعنى به الإيمان والتوحيد ، وتصديق الرسول صلى اللّه عليه وسلّم وخطابهم بذلك متفق عليه وهي مسألة سمجة » « 1 » . قلت : لا اتفاق وخالف بذلك المالكية والشافعية « 2 » .
( والرب ) : إما مصدر ، وإما صفة مشبهة على وزن « فعل » من ربّه يربّه بمعنى : رباه وهو رب بمعنى مربّ وسائس . والتربية : تبليغ الشيء إلى كماله تدريجيا ، ويجوز أن يكون من ربه بمعنى ملكه . فإن كان مصدرا على الوجهين فالوصف به للمبالغة ، وهو ظاهر وإن كان صفة مشبهة على الوجهين فهي واردة على القليل في أوزان الصفة المشبهة فإنها لا تكون على فعل من فعل يفعل إلّا قليلا ، من ذلك قولهم : نم الحديث ، ينمّه فهو نمّ للحديث » « 3 » .
غير أن ابن عاشور يرجح الاشتقاق « والأظهر أنه مشتق من ربّه بمعنى رباه وساسه لا من ربه بمعنى ملكه ، لأن الأول الأنسب بالمقام هنا إذا المراد أنه مدبر الخلائق وسائس أمورها ومبلغها غاية كمالها » « 4 » .
ويرجح ابن عاشور ما ذهب إليه بقوله : « ولأنه لو حمل على معنى المالك لكان قوله تعالى بعد ذلك « ملك يوم الدين » كالتأكيد ، والتأكيد خلاف الأصل ، ولا داعي إليه هنا ، إلّا أن يجاب بأن العالمين لا يشمل إلّا عوالم الدنيا ، فيحتاج إلى بيان أنه ملك الآخرة ، كما أنه ملك الدنيا ، وإن كان الأكثر في كلام العرب ورود الرب بمعنى الملك والسيد وذلك الذي دعا صاحب الكشّاف إلى الاقتصار على معنى السيد والملك وجوّز فيه وجهي المصدرية والصفة . . » « 5 » .
« وهو لم يقل اعبدوا اللّه لأن في الإتيان بلفظ الرب إيذانا بأحقية الأمر بعبادته ، فإن المدبر لأمور الخلق هو جدير بالعبادة ، لأن فيها معنى الشكر وإظهار الاحتياج ، وإفراد اسم الرب دل على أن المراد رب جميع الخلق وهو اللّه تعالى ، إذ ليس ثمة رب يستحق هذا الاسم بالإفراد والإضافة إلى جميع الناس إلا اللّه ، فإن المشركين وإن أشركوا مع اللّه آلهة إلّا أن بعض القبائل كان لها مزيد اختصاص بعض الأصنام كما كان لثقيف مزيد اختصاص
هامش
( 1 ) انظر تفسير الرازي عند تفسير سورة المدثر للآيات ( 42 ، 43 ، 44 ، 45 ، 46 ، 47 ) . وانظر أبو بكر ابن العربي في أحكام القرآن ، ( 2 / 558 ) وعدا تكليف الكفار بفروع الشرع مسألة قطعية ، والكافرون ليسوا مكلفين بفروع الشريعة .
( 2 ) محمد الطاهر بن عاشور ، التحرير والتنوير ، ( 1 / 321 ) .
( 3 ) المصدر نفسه .
( 4 ) المصدر نفسه ( 1 / 164 ) .
( 5 ) المصدر نفسه .