تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير و المفسرون في العصر الحديث — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
باللات كما تقدم في سورة الفاتحة وتبعهم الأوس والخزرج » « 1 » . وقوله
( اعْبُدُوا رَبَّكُمُ )
: صريح في الدعوة إلى توحيد اللّه ولذلك فقوله « الذي خلقكم » زيادة بيان لموجب العبادة أو زيادة بيان لما اقتضته الإضافة من تضمن معنى الاختصاص بأحقية العبادة . وقوله
( وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ )
: يفيد تذكير الدهريين من المخاطبين الذين يزعمون أنهم إنما خلقهم آباؤهم فقالوا :
نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ
« 2 » . فكان قوله :
وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
تذكيرا لهم بأن آباءهم الأولين لا بد أن ينتهوا إلى أب أول فهو مخلوق للّه تعالى . ولعل هذا وجه التأكيد بزيادة « من » في قوله : « من قبلكم » الذي يمكن الاستغناء عنه بالاقتصار على « قبلكم » لأن « من » في الأصل للابتداء فهي تشير إلى أول الموصوفين بالقبلية فذكرها هنا استرواح لأصل معناها مع التأكيد الغالب عليها إذا وقعت مع قبل وبعد » « 3 » . ( والخلق ) : في القرآن وكلام الشريعة هو : « إيجاد الأشياء المعدومة فهو إخراج الأشياء من العدم إلى الوجود إخراجا لا صفة فيه للبشر . . . » « 4 » . قال الغزالي « في المقصد الأسنى » : لا حظّ للعبد في اسمه تعالى الخالق إلا بوجه من المجاز بعيد ، فإذا بلغ في سياسة نفسه ، وسياسة الخلق مبلغا ينفرد فيه باستنباط أمور لم يسبق إليها ويقدر مع ذلك فعلها كالمخترع لما لم يكن له وجود من قبل فيجوز إطلاق الاسم أي الخالق عليه مجازا بعيدا فيما حكاه اللّه تعالى في القرآن من قول عيسى عليه السّلام :
أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ
« 5 » . وقول اللّه تعالى :
وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي
« 6 » . فإن ذلك مراعى فيه أصل الإطلاق اللغوي قبل غلبة استعمال مادة خلق في الخلق الذي لا يقدر عليه إلّا اللّه تعالى ، ثم تخصيص تلك المادة بتكوين اللّه تعالى الموجودات ، ومن أجل ذلك قال اللّه :
فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
« 7 » . وجملة « لعلكم تتقون » تعليل للأمر باعبدوا ، فلذلك فصّلت : أي أمرتكم بعبادته لرجاء منكم أن تتقوا . ثم يبدأ ابن عاشور بتحليل النص القرآني « لعلكم تتقون » :
هامش
( 1 ) محمد الطاهر بن عاشور ، تفسير التحرير والتنوير ، ( 1 / 321 ) . ( 2 ) سورة الجاثية ، الآية : ( 24 ) . ( 3 ) محمد الطاهر بن عاشور ، تفسير التحرير والتنوير ، ( 1 / 322 ) . ( 4 ) المصدر نفسه ، ( 1 / 323 ) . ( 5 ) سورة آل عمران ، الآية : ( 49 ) . ( 6 ) سورة المائدة ، الآية : ( 110 ) . ( 7 ) سورة المؤمنون ، الآية : ( 14 ) .
التفسير و المفسرون في العصر الحديث — صفحة 130 | عبد القادر محمد صالح