والعلماء المتضلعين في علم الإعجاز القرآني » « 1 » .
ابن عاشور واللغة :
لم يكن تفسير ابن عاشور « التحرير والتنوير » تفسيرا فقط بل يمكن اعتباره كتاب لغة ، بل كتاب في أساليب اللغة عامة ، لأنه اشتمل على النحو والصرف والبلاغة . ووظّف بنجاح علوم اللغة لصالح فهم الكتاب الكريم القرآن ، زد على ذلك أنه اهتم بتوضيح معاني الأدوات النحوية ، وذكّر بمعانيها ، ونوّه بالوظائف المعنوية والبلاغية التي قامت بها . . .
وهذا ما سنتبيّنه من خلال بعض الأمثلة ؛ قال تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
« 2 » .
قال في هذه الآية :
« استئناف ابتدائي ثنى به البيان إلى موعظة كل فريق من الفرق الأربع المتقدم ذكرها موعظة تليق بحاله بعد أن قضى حق وصف كل فريق منهم بخلاله [ بصفاته ] . ومثلت حال كلّ فريق ، وضربت له أمثاله ، فإنه لمّا استوفى أحوالا للمؤمنين وأضدادهم من المشركين والمنافقين لا جرم تهيأ المقام لخطاب عمومهم بما ينفعهم إرشادا لهم ورحمة بهم لأنه لا يرضى لهم الضلال » « 3 » . إنها رحمة اللّه بعباده ، والعصاة منهم ، فهو لا يتركهم يهيمون على وجوههم يخبطون خبط عشواء ، بل يوجه لهم النداء تلو النداء لعلهم يرشدون
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ
.
« الإقبال على موعظة نبذ الشرك وذلك هو غالب اصطلاح القرآن في الخطاب : يا أيها الناس ، وقرينة ذلك هنا قوله :
فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
« 4 » . وافتتح الخطاب بالنداء تنويها به .
و ( يا ) : حرف نداء ، وهو أكثر حروف النداء استعمالا فهو أصل حروف النداء ، ولذلك لا يقدر غيره عند حذف حرف النداء ولكونه أصلا كان مشتركا .
و ( أيّ ) : في الأصل نكرة تدل على فرد من جنس اسم يتصل بها بطريق الإضافة ، نحو : أي رجل أو بطريق الإبدال نحو : يا أيها الرجل ، ومنه ما في الاختصاص كقولك
هامش
( 1 ) انظر محمد الطاهر بن عاشور من ص ( 45 - 128 ) لمن أراد التوسع ببعض هذه المقدمات لأنها حوت معلومات هامة .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية : ( 21 ) .
( 3 ) محمد بن عاشور ، التحرير والتنوير ، ( 1 / 318 ) .
( 4 ) سورة البقرة ، الآية : ( 22 ) .