يقولون مثلا :
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها
« 1 » .
إنها إشارة للقلوب لأنها مواضع الخضوع للّه تعالى إذ بها يعرف فتسجد له القلوب بفناء النفوس ومنعها من ذكره هو الحيلولة بينها وبين المعارف اللدنية
وَسَعى فِي خَرابِها
بتكديرها بالتعصبات وغلبة الهوى ، فهذا يشبه ضرب المثل لحال من لا يزكي نفسه بالمعرفة ويمنع قلبه أن تدخله صفات الكمال الناشئة عنها بحال مانع المساجد أن يذكر فيها اسم اللّه وذكر عند تلك الحالة كالنطق بلفظ المثل » « 2 » .
الثاني : « ما كان من نحو التفاؤل فقد يكون للكلمة معنى يسبق من صوتها إلى السمع هو غير معناها المراد . . . مثل قوله تعالى :
مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ
« 3 » : من ذلّ ذي - إشارة للنفس - يصير من المقربين الشفعاء ، فهذا يأخذ صدى مواقف الكلام في السمع ويتأوله على ما شغل به قلبه [ ويرى ابن عاشور : أن الشيخ محي الدين يسمى هذا النوع سماعا ولقد أبدع ] » « 4 » .
وهنا يجب أن نتساءل حول العبارة التي ذكرها ابن عاشور آنفا .
فهذا - أي السماع - يأخذ صدى مواقع الكلام في السمع ، ويتأوله [ صاحب الإشارة [ على ما شغل قلبه ] . . . هب أن قلبه كان مشغولا بشيء مذموم فعندئذ قد يتأوّل الآية تأويلا مذموما « لأن صاحب الإشارة سيؤوّل الآية حسب الحالة التي انشغل بها قلبه » .
والسؤال الآخر : ما السبيل إلى معرفتنا الحالة التي انشغل بها قلبه ؟ . . .
ظني لو أن السؤال طرح على ابن عاشور فإنه سيقول : لا سبيل إلى الدخول إلى القلب كي نعرف الحالة التي ينشغل فيها . . . ولكن طبيعة التأويل تكشف عن الحالة التي كان عليها قلبه . فإن كانت حالة خيّرة ، كان تأويله الإشاري حسنا مقبولا ، وإن كانت الحالة مذمومة كان تأويله الإشاري مذموما مردودا .
ويمكن طرح السؤال على ابن عاشور : وما المقياس المعتمد في الرّد والقبول لأننا سنرد التأويل المذموم لانشغال قلبه بما هو مذموم . . . وسنقبل التأويل الحسن لانشغال قلب المؤول بما هو حسن . . .
ظني الجواب الذي لا مناص منه : هو ما يقبله الشرع « أي الظاهر » . . . والحق أن
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية : ( 114 ) .
( 2 ) محمد الطاهر بن عاشور ، المقدمة الثالثة ، ص ( 33 ، 34 ) .
( 3 ) سورة البقرة ، الآية : ( 225 ) .
( 4 ) محمد الطاهر بن عاشور ، المقدمة الثالثة ، ( 1 / 34 ) .