أما الأحاديث الواردة في ذم القول بالقرآن بالرأي محمول على الرأي المذموم المشفوع بالهوى والتعصب . وما يمكن أن يلجأ بعضهم إلى تفسير القرآن برأيه ، دون بذل جهد كاف للفهم فيكون تفسيره خاطئا لا إحاطة فيه ، كأن يقتصر بفهمه على آية واحدة ويغفل عن أخرى تؤثر على توجيه المعنى مثل قوله تعالى :
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ
« 1 » .
فظاهر المعنى أن الخير من اللّه والشر من الإنسان بقطع النظر على الأدلة الشرعية التي تقتضي أن لا يقع إلا ما أراد اللّه . وهذا المفسر حينئذ كان غافلا عما سبق من قوله تعالى :
قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . . .
« 2 » . ومن الأسباب التي يذم فيها القول بالرأي في القرآن : « أن يفسر القرآن برأي مستند إلى ما يقتضيه اللفظ ثم يزعم أن ذلك هو المراد دون غيره لما في ذلك من التضييق على المتأوّلين . ثم لا بد من الحذر من القول بالرأي إذا قيل دون وعي وفهم وجهد ، لأن فقدان ذلك أو الاستهتار بالإعداد الجاد بتوفير أدوات المفسّر من شأنه أن يحرف الأفهام ويضل العباد ، ويجعلهم يقعون في براثن الجهل والفوضى التي تبعدهم عن مقاصد الهدى القرآنية .
لذا فإن العلماء ردوا بقوة على من استهتر بالدلالات القرآنية المطلوبة ، عندما استخدم أدوات من شأنها أن تضل المفسّر ، وأن تضلل العباد ، فقد تصدى الغزالي في كتابه « المستظهري » لهم : « إذا قلنا بالباطن ، فالباطن لا ضبط له ، بل تتعارض فيه الخواطر فيمكن تنزيل الآية على وجوه شتى » « 3 » . وإن احتج بعضهم برواية عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم ظهرا وبطنا ومطلقا » .
قال ابن عاشور : « لم يصح ما روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم بل المروي عن ابن عباس ، ونقلوا عن ابن عباس أن « ظاهره التلاوة وباطنه التأويل » . أي الظاهر هو اللفظ ، والباطن هو المعنى .
هذا ويجب أن لا يخلط المرء بين التفسير الباطني مثل بعض ما بثّ في رسائل إخوان الصفا ، وتفسير القاشاني ، وبين بعض الإشارات الصوفية والتي أطلق عليها « التفسير الإشاري » . أما ما يتكلم به أهل الإشارات من الصوفية في بعض آيات القرآن من معان لا تجري على ألفاظ القرآن ظاهرا ، ولكن بتأويل فينبغي أن تعلموا أنهم ما كانوا يدّعون أن كلامهم في ذلك تفسير للقرآن بل يعنون أن الآية تصلح للتمثل بها في الغرض المتكلّم فيه ، وحسبكم في ذلك أنهم سمّوها إشارات ، ولم يسموها معاني فبذلك فارق قولهم قول الباطنية .
قال الغزالي في الإحياء : « إذا قلنا في قوله صلى اللّه عليه وسلّم : لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا
هامش
( 1 ) سورة النساء ، الآية : ( 79 ) .
( 2 ) سورة النساء ، الآية : ( 78 ) .
( 3 ) عن المستظهري للغزالي ، نقلا عن ابن عاشور في المقدمة الثانية ، ( 1 / 32 ) .