الثامن : « الإعجاز بالقرآن » ليكون دليلا على صدق محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم « بادعائه النبوة والرسالة » وتحدى القرآن العرب أن يأتوا بمثله وهم البلغاء ، ثم تحداهم بعشر سور من مثله ، ثم تحداهم بالسورة . . . وقد عجزوا ، وأذعنوا لبلاغة القرآن على الرغم من تحديه لهم ، وإقامة الحجة على العرب ، فكان تحديا لغير العرب .
وبذلك يعني أن القرآن المعجزة العقلية الخالدة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، وبذلك يختلف عن باقي معجزات الرسل السابقين التي انتهت بوفاة الرسل عليهم السّلام . وأكثر من ذلك يعني أن القرآن وحده هو الدليل القاطع الذي نقل لنا معجزات الرسل السابقين كمعجزة إحياء الموتى على يد نبي اللّه ورسوله عيسى عليه السّلام ، ومعجزة العصا التي شقت البحر فرقين كل فرق كالطود العظيم على يد نبي اللّه ورسوله موسى عليه السّلام .
ولعل الحكمة الكامنة وراء ذلك هي أن القرآن كتاب الإسلام خاتم الرسالات .
وتضمن معجزات الرسل السابقين لأنه اعترف بالرسالات السابقة ، لأن رسالات الأنبياء تمتاز بوحدة المصدر ، وبوحدة الدعوة ، وامتاز الإسلام على غيره بشموليته وعالميته التي نص عليها القرآن
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً
« 1 » لذا كانت المعجزة الخالدة تتحلى بميزة غير الميزات التي امتازت بها المعجزات المؤقتة بتوقيت أنبيائها وأصحابها المرسلين زمانا ، ومكانا .
هل يشتمل القرآن على كل العلوم ؟
وموضوع الإعجاز اتسع إلى حد كبير وفق تقدم المعارف العقلية الفلسفية والعلمية .
فبالوقت الذي ذهب بعض العلماء إلى التوفيق ما بين علم الحكمة والشريعة من الاتصال كما فعله ابن رشد الحفيد ، وذهب بعضهم إلى جعل القرآن مشتملا على كل العلوم .
على جهة أخرى نرى أبو إسحاق الشاطبي يقول في الفصل من المسألة الرابعة : لا يصح في مسلك الفهم والإفهام إلا ما يكون عاما لجميع العرب ، فلا يتكلّف فيه فوق ما يقدرون عليه » « 2 » وقال في المسألة الرابعة من النوع الثاني : ما تقرر من أمية الشريعة وأنها جارية على مذاهب أهلها ، وهم العرب ، ينبني عليها قواعد منها :
1 - أن كثيرا من الناس تجاوزوا في الدعوى على القرآن الحد فأضافوا إليه كل علم يذكر للمتقدمين أو المتأخرين : من علوم الطبيعيات . . . والمنطق وعلم الحروف . . » « 3 » .
هامش
( 1 ) سورة سبأ ، الآية : ( 34 ) .
( 2 ) أبو إسحاق الشاطبي ، الموافقات ، ( 2 / 85 ) .
( 3 ) المصدر نفسه ، ( 2 / 79 ) .