التفسير ، إنما هي جزء من التفسير .
ويبقى علم التفسير رأس العلوم الإسلامية فهو أصل لها على وجه الإجمال ، وأما استمداده من بعض العلوم الإسلامية ، فذلك استمداد لقصد تفصيل التفسير على وجه أتم من الإجمال ، وهو أصل لما استمدّ منه « 1 » .
موقف ابن عاشور من التفسير بالرأي :
يظهر من قراءة المقدمة الثالثة المعنونة « في صحة التفسير بغير المأثور ، ومعنى التفسير بالرأي ونحوه » .
وبالمحصلة : فإن ابن عاشور يجيز التفسير بالرأي ، لأن هذا التفسير هو الذي أغنى التفاسير القرآنية بالمعاني والحكم « قال الغزالي والقرطبي : لا يصح أن يكون كل ما قاله الصحابة في التفسير مسموعا من النبي صلى اللّه عليه وسلّم لوجهين :
أحدهما : أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم لم يثبت عنه من التفسير : إلا تفاسير قليلة وهي ما تقدم عن عائشة ولا بأس من إعادة ذكره « ما كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم يفسر من كتاب اللّه إلا آيات معدودات علّمه جبريل إياهن » .
والثاني : اختلفوا في التفسير على وجوه مختلفة لا يمكن الجمع بينها ، وسماعها جميعها من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم محال . . . فتبين أن كل مفسّر قال في معنى الآية ما ظهر له باستنباطه » « 2 » .
وقد روى البخاري في صحيحه عن أبي جحيفة قال : قلت لعلي رضى اللّه عنه : « هل عندكم شيء من الوحي إلّا ما في كتاب اللّه ؟ » قال : « لا ، والذي فلق الحبة ، وبرأ النّسمة ، لا أعلمه إلّا فهما يعطيه اللّه رجلا في القرآن . . . إلخ » .
قال الرازي مبرزا إمكانية تعدد الآراء في تفسير النّصوص القرآنية ، وذلك في تفسيره الآية من
وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ . . .
« 3 » . « وقد ثبت في أصول الفقه أن المتقدمين إذا ذكروا وجها في تفسير الآية فذلك لا يمنع المتأخرين من استخراج وجه آخر في تفسيرها وإلا لصارت الدقائق التي يستنبطها المتأخرون في التفسير مردودة وذلك لا يقوله إلا مقلّد خلف » « 4 » .
هامش
( 1 ) محمد الطاهر بن عاشور ، مقدمة التحرير والتنوير الثانية ، ( 1 / 25 ) .
( 2 ) المصدر نفسه ، المقدمة الثالثة ، ( 1 / 26 ، 27 ) .
( 3 ) سورة النساء ، الآية : ( 19 ) .
( 4 ) محمد الطاهر بن عاشور ، المقدمة الثالثة ، ( 1 / 27 ) .