يفسر القرآن إلّا آيات معدودات علّمه إياهن جبريل ، قال معناه في مغيبات القرآن وتفسير مجمله مما لا سبيل إليه إلا بتوقيف » أو كان تفسيرا لا توقيف فيه كما بيّن لعدي بن حاتم أن الخيط الأبيض والخيط الأسود هما سواد الليل وبياض النهار وقال له : « إنك عريض الوسادة » « 1 » . ومن المأثور : « ما نقله الصحابة عن الرسول صلى اللّه عليه وسلّم رواية مما لا مجال للرأي فيه . مثل كون المراد من المغضوب عليهم : اليهود والنصارى » « 2 » .
كما عدّ من المأثور ما عرف بأسباب النزول لأنها تعين على تفسير المراد ، وليس المراد أن لفظ الآية يقصر عليها ، لأن سبب النزول لا يخصص ، قال تقي الدين السبكي :
كما أن سبب النزول لا يخصص ، كذلك خصوص غرض الكلام لا يخصص ، كأن يرد خاص ثم يعقبه عام للمناسبة فلا يقتضي تخصيص العام نحو :
فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ
« 3 » . . . وقد يكون المروي في سبب النزول مبيّنا ومؤوّلا لظاهر غير مقصود ، فقد توهّم قدامة بن مظعون من قوله تعالى :
لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا
« 4 » . فاعتذر بها لعمر بن الخطاب في شرب قدامة خمرا ، روي أن عمر استعمل قدامة بن مظعون على البحرين فقدم الجارود على عمر ، فقال : إن قدامة شرب فسكر ، فقال عمر : من يشهد على ما تقول ؟ قال الجارود : أبو هريرة يشهد على ما أقول وذكر الحديث ، فقال عمر : إني جالدك يا قدامة ، قال : واللّه لو شربت كما يقولون ما كان لك أن تجلدني ، قال عمر : ولم ؟ قال : لأن اللّه يقول :
لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا
.
فقال عمر : إنك أخطأت التأويل يا قدامة ، إذا اتقيت اللّه اجتنبت ما حرم اللّه ، وفي رواية فقال : لم تجلدني ! بيني وبينك كتاب اللّه ، فقال عمر : وأي كتاب اللّه تجد أن لا أجلدك ؟ قال : إن اللّه يقول في كتابه :
لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا
إلى آخر الآية فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وأحسنوا ، شهدت مع رسول اللّه بدرا وأحدا والخندق والمشاهد ، فقال عمر : « ألا تردون عليه قوله ! » فقال ابن عباس : « إن هؤلاء الآيات أنزلن عذرا للماضين ، وحجة على الباقين ، فعذر الماضين بأنهم لقوا اللّه قبل أن تحرم عليهم الخمرة ، وحجة على الباقين لأن اللّه يقول :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ
هامش
( 1 ) محمد الطاهر بن عاشور ، التحرير والتنوير ، المقدمة الثانية ، ( 1 / 21 ) .
( 2 ) المصدر نفسه .
( 3 ) سورة النساء ، الآية : ( 128 ) .
( 4 ) سورة المائدة ، الآية : ( 93 ) .