« ومن عادة قوم ممن يتعاطى التفسير بغير علم أن توهموا أبدا في الألفاظ الموضوعة على المجاز والتمثيل أنها على ظواهرها ، فيفسدوا المعنى بذلك ويبطلوا الفرض » ويمنعوا أنفسهم والسامع منهم العلم بموضع البلاغة وبمكان الشرف ، وناهيك بهم إذا هم أخذوا في ذكر الوجوه وجعلوا يكثرون في غير طائل ! هناك لا ترى ما شئت من باب جهل قد فتحوه ، وزند ضلالة قد قدحوا به » « 1 » .
والسليقة البيانية الفطرية يمكن أن ينوب عنها التملّي بأساليب العرب ، والعبّ من خطبهم ، واستظهار الكثير من تراكيبهم العظيمة . شعرا ونثرا « ليحصل بذلك لممارسة المولّد ذوق يقوم عنده مقام السليقة والسجية عند العربية القحّ » « 2 » .
ويعرّف ابن عاشور الذوق : كيفية للنفس بها تدرك الخواص والمزايا التي للكلام البليغ » « 3 » ولتكميل الذوق أو إيجاده كان لا بد للمفسّر في بعض المواضع من الاستشهاد على المراد في الآية ببيت من الشعر أو بشيء من كلام العرب لتكميل ما عنده من الذوق » « 4 » .
« كما أن من قواعد استعمال الأسلوب المدني « ما يؤثر عن بعض السلف في فهم معاني بعض الآيات على قوانين استعمالهم كما روى مالك في « الموطأ » عن عروة بن الزبير قال : قلت لعائشة : - وأنا يومئذ حديث السن - : « أرأيت قول اللّه تعالى :
إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما
« 5 » فما على الرجل شيء أن لا يطوف بهما » ، فقالت عائشة : « كلا لو كان كما تقول ، لكانت : فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ؟ إنما نزلت هذه الآية في الأنصار كانوا يهلون لمناة الطاغية ، وكانت مناة حذو قديد ، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة ، فلما جاء الإسلام سألوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم عن ذلك ، فأنزل اللّه :
إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ
فبينت له ابتداء طريقة استعمال العرب لو كان المعنى ، كما وهمه عروة ثم بينت له مثار شبهته الناشئة عن قوله تعالى :
فَلا جُناحَ عَلَيْهِ
الذي ظاهره رفع الجناح عن الساعي » « 6 » .
وأما الآثار فهو « ما نقل عن الرسول صلى اللّه عليه وسلّم من بيان المراد من بعض القرآن في مواضع الإشكال والإجمال ، وذلك شيء قليل . قال ابن عطية عن عائشة رضى اللّه عنه : « ما كان رسول اللّه
هامش
( 1 ) عبد القاهر الجرجاني ، دلائل الإعجاز ص ( 203 ) ، وانظر المقدمة الثانية لابن عاشور ص ( 18 ) .
( 2 ) محمد الطاهر بن عاشور ، التحرير والتنوير ، المقدمة الثانية ، ( 1 / 19 ) .
( 3 ) المصدر نفسه .
( 4 ) المصدر نفسه .
( 5 ) سورة البقرة ، الآية : ( 158 ) .
( 6 ) محمد الطاهر بن عاشور ، التحرير والتنوير ، المقدمة الثانية ، ( 1 / 21 ) .