التأويل عند ابن عاشور :
« منهم من جعل التفسير والتأويل متساويين ، وهذا ما ذهب إليه ثعلب وابن الأعرابي وأبو عبيدة ، وهو ظاهر كلام الراغب .
ومنهم من جعل التفسير للمعنى الظاهر والتأويل للمعنى المتشابه .
ومنهم من قال : التأويل صرف اللفظ عن ظاهر معناه ، إلى معنى آخر محتمل لدليل فيكون هنا بالمعنى الأصولي ، فإذا فسر قوله تعالى :
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ
بإخراج الطير من البيضة فهذا من التفسير . أو بإخراج المسلم من الكافر فهو التأويل ، وهنا لك أقوال أخر لا عبرة بها ، وهذه كلها مصطلحات لا متاهة فيها إلا أن اللغة والآثار تشهد للقول الأول ، لأن التأويل مصدر أوّله إذا أرجعه إلى الغاية المقصودة ، والغاية المقصودة من اللفظ هو معناه ، وما أراده منه المتكلم به من المعاني فساوى التفسير على أنه لا يطلق إلا على ما فيه تفصيل معنى خفي معقول ! وقال أبو عبيدة عن قوله تعالى :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ
أي ينتظرون إلا بيانه .
وقوله صلى اللّه عليه وسلّم لابن عباس : « اللهم فقهه في الدين ، وعلّمه التأويل » أي فهم معاني القرآن « 1 » .
وكتب ابن عاشور المقدمة الثانية وقد جعل عنوانها : في استمداد علم التفسير ، وقد وضح المقصود من استمداد علم التفسير : « يراد توقفه على معلومات سابق وجودها على وجود ذلك العلم عند مدونيه ، لتكون عونا لهم على إتقان تدوين ذلك العلم . وسمي ذلك في الاصطلاح : بالاستمداد عن تشبيه احتياج العلم لتلك المعلومات بطلب المدد والعون والغوث » « 2 » .
وإمدادات علم التفسير آتية من علوم عدة :
علوم العربية : فالمراد منها معرفة مقاصد العرب من كلامهم وأدب لغتهم ، سواء حصلت تلك المعرفة بالسجية والسليقة ، كالمعرفة الحاصلة للعرب الذين نزل القرآن بين ظهرانيهم ، أم حصلت بالتلقي والتعلم كالمعرفة الحاصلة للمولدين الذين شافهوا بقية العرب ومارسوهم ، والمولدين الذين درسوا علوم اللسان ودوّنوها . « إن القرآن كلام عربي فكانت قواعد العربية طريقا لفهم معانيه » « 3 » .
هامش
( 1 ) محمد الطاهر بن عاشور ، المقدمة الأولى من التحرير والتنوير ، ص ( 15 ) .
( 2 ) المصدر نفسه ، المقدمة الثانية ، ص ( 16 ) .
( 3 ) المصدر نفسه ، المقدمة الثانية ( 16 ) .