ومن هذا النحو :
« وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ ، وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ »
فقد رسم لهم بهذا التشبيه صورة دقيقة : إنهم يأكلون ويتمتعون غافلين عن الجزاء الذي ينتظرهم ، كما تأكل الأنعام وتمرح ، غافلة عن شفرة القصاب ، أو غافلة عما سوى الطعام والشراب .
ومثال ذلك :
« نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ، فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ »
. وفي هذا التعبير ألوان من التناسق الظاهر والمضمر ، ومن لطف الكناية عن ملابسات دقيقة . وأدق ما فيه هو ذلك التشابه بين صلة الزارع بحرثه وصلة الزوج بزوجه في هذا المجال الخاص .
وبين ذلك النبت الذي يخرجه الحرث ، وذلك النبت الذي تخرجه الزوج ؛ وما في كليهما من تكثير وعمران وفلاح . وكل هذه الصور تنطوي تحت استعارة في بضع كلمات .
2 - وقد يستقل لفظ واحد - لا عبارة كاملة - برسم صورة شاخصة - لا بمجرد المساعدة على إكمال معالم صورة - . وهذه خطوة أخرى في تناسق التصوير ، أبعد من الخطوة الأولى ، وأقرب إلى قمة جديدة في التناسق . خطوة يزيد من قيمتها أن لفظا مفردا هو الذي يرسم الصورة ، تارة بجرسه الذي يلقيه في الأذن ، وتارة بظله الذي يلقيه في الخيال ، وتارة بالجرس والظل جميعا .
تسمع الأذن كلمة « اثّاقلتم » في قوله :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ : انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ؟ »
فيتصور الخيال ذلك الجسم المثّاقل ، يرفعه الرافعون في جهد ، فيسقط من أيديهم في ثقل . إن في هذه الكلمة « طنّا » على الأقل من الأثقال ! ولو أنك قلت : تثاقلتم ، لخف الجرس ، ولضاع