تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التصوير الفني في القرآن — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
الأثر المنشود ، ولتوارت الصورة المطلوبة التي رسمها هذا اللفظ ، واستقل برسمها . وتقرأ :
« وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ »
فترتسم صورة التبطئة في جرس العبارة كلها - وفي جرس « ليبطئن » خاصة . وإن اللسان ليكاد يتعثر ، وهو يتخبط فيها ، حتى يضل ببطء إلى نهايتها ! وتتلو حكاية قول هود :
« أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ . أَ نُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ ؟ »
فتحس أن كلمة « أنلزمكموها » تصور جو الإكراه بإدماج كل هذه الضمائر في النطق ، وشد بعضها إلى بعض ، كما يدمج الكارهون مع ما يكرهون ، ويشدون إليه وهم منه نافرون ! وهكذا يبدو لون من التناسق أعلى من البلاغة الظاهرية ، وأرفع من الفصاحة اللفظية ، اللتين يحسبهما بعض الباحثين في القرآن - قديما وحديثا - أعظم مزايا القرآن ! . وتسمع كلمة : « يصطرخون » في الآية :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ ، لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ، وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها . كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ . وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها : رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ
. فيخيّل إليك جرسها الغليظ ، غلظ الصراخ المختلط المتجاوب من كل مكان ، المنبعث من حناجر مكتظة بالأصوات الخشنة ؛ كما تلقي إليك ظلّ الإهمال لهذا الاصطراخ الذي لا يجد من يهتم به أو يلبيه . وتلمح من وراء ذلك كله صورة ذلك العذاب الغليظ الذي هم فيه يصطرخون .