ومثل القصص في هذا اللون من التناسق سائر ما يعرض من مشاهد القيامة ، وصور النعيم والعذاب ، والصور التي تساق في معرض الجدال ، فهو يعرض منسجما مع الوسط الذي يعرض فيه ، ويؤدي الغرض النفسي الذي يرمي إليه .
* * * ولكن هذا كله إنما ينتهي إلى تناسق المعاني والأغراض . والبحث في هذا النطاق مهما دق وارتفع يبقى في معزل عن أجمل وأبدع وسائل القرآن في التعبير ، وهو التصوير .
ولما كانت نقلة بعيدة أن نقفز من هذه السطوح المستوية إلى تلك القمم الشامخة ، فإننا سنختار أن نرقى إلى هذه الآفاق خطوة بعد أخرى ؛ حتى نتطلع إلى قمتها البعيدة .
1 - هناك المواضع التي يتناسق فيها التعبير مع الحالة المراد تصويرها ؛ فيساعد على إكمال معالم الصورة الحسية أو المعنوية .
وهذه خطوة مشتركة بين التعبير للتعبير ، والتعبير للتصوير ، فهي مفرق الطريق بين السطوح المستوية والقمم المتدرجة !
مثال ذلك :
« إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ »
فإن « الدواب » تطلق عادة على الحيوان - وإن كانت تشمل الإنسان فيما تشمل لأنه يدب على الأرض - ولكن شمولها هذا للإنسان ، ليس هو الذي يتبادر إلى الذهن ، لأن للعادة حكمها في الاستعمال . فاختيار كلمة « الدواب » هنا ، ثم تجسيم الحالة التي تمنعهم من الانتفاع بالهدى بوصفهم « الصم البكم » كلاهما يكمل صورة الغفلة والحيوانية ، التي يريد أن يرسمها لهؤلاء الذين لا يؤمنون لأنهم « لا يعقلون » .