تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التصوير الفني في القرآن — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
وحين يستقل لفظ واحد بهذه الصور كلها يكون ذلك فنّا من التناسق الرفيع . ومثلها كلمة « عتلّ » في تمثيل الغليظ الجافي المتنطع :
« عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ »
. فإذا سمعت :
« وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ »
صورت لك كلمة « بمزحزحه » - المقدمة في التعبير على الفاعل لإبرازها - صورة الزحزحة المعروفة كاملة متحركة ، من وراء هذه اللفظة المفردة . وكذلك قوله :
« فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ »
. فكلمة « كبكبوا » يحدث جرسها صوت الحركة التي تتم بها . وحقيقة إن وضع هاتين اللفظتين اللغوي هو الذي يمنحهما هذه الصورة - وليس هو استعمال القرآن الخاص لهما ، كما هو الشأن في الكلمات الماضية ، التي اشتقها خاصة أو استعملها أول مرة - ولكن اختيارهما في مكانيهما يحسب بلا شك في بلاغة التعبير . ومن الأوصاف التي اشتقها القرآن ليوم القيامة : « الصّاخّة » و « الطّامّة » . والصاخة لفظة تكاد تخرق صماخ الأذن في ثقلها وعنف جرسها ، وشقه للهواء شقّا ، حتى يصل إلى الأذن صاخا ملحّا . والطامة لفظة ذات دويّ وطنين ، تخيّل إليك بجرسها المدوّي أنها تطم وتعم ، كالطوفان يغمر كل شيء ويطويه . ضع هذه الألفاظ بجوار ذلك اللفظ المشرق الرشيق « تنفس »
« وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ »
تجد الإعجاز في اختيار الألفاظ لمواضعها ،