يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ ، مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ ، يَقُولُ الْكافِرُونَ : هذا يَوْمٌ عَسِرٌ
.
فهذا مشهد من مشاهد الحشر ، مختصر سريع ؛ ولكنه شاخص متحرك ، مكتمل السمات والحركات . هذه جموع خارجة من الأجداث في لحظة واحدة ، كأنها جراد منتشر ( ومشهد الجراد المعهود يساعد على تصور هذا المنظر العجيب ) وهذه الجموع تسرع في سيرها نحو الداعي ، دون أن تعرف لم يدعوها ، فهو يدعوها
« إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ »
لا تدريه .
« خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ »
وهذا يكمل الصورة ؛ ويمنحها السمة الأخيرة . وفي أثناء هذا التجمع والإسراع والخشوع
« يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ »
. فما ذا بقي من المشهد لم يشخص بعد هذه الفقرات القصار ؟ وإن السامعين ليتخيلون اليوم النكر ، فإذا هو حشد من الصور . صورهم هم - وإنهم لمن المبعوثين - يتجلى فيها الهول الحي ، الذي يؤثر في نفس كل حيّ !
2 - وهذا مشهد آخر من مشاهد الإسراع والخشوع ، أشد في النفس هولا وأكمد في التصوير لونا :
وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ . إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ : مُهْطِعِينَ ، مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ ، لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ، وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ
.
أربع صور متتابعة متواكبة ، أو أربعة مشاهد لرواية واحدة ، يتلو بعضها بعضا في الاستعراض ، فتتم بها صورة شاخصة في الخيال ، وهي صورة فريدة للفزع والخجل والرهبة والاستسلام ،