2 - ثم لنعرض مشهدا من قصة الطوفان : « وهي تجري بهم في موج كالجبال » . وفي هذه اللحظة الرهيبة ، تتنبّه في نوح عاطفة الأبوّة ، فإن هناك ابنا له لم يؤمن ، وإنه ليعلم أنه مغرق مع المغرقين .
ولكن ها هو ذا الموج يطغى ، فيتغلب « الإنسان » في نفس نوح على « النبي » ، ويروح في لهفة وضراعة ينادي ابنه جاهرا :
« وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ - وَكانَ فِي مَعْزِلٍ - يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا ، وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ »
. ولكن البنوّة العاقة لا تحفل هذه الضراعة ؛ والفتوّة العاتية لا ترى الخلاص إلا في فتوّتها : « قال : سآوي إلى جبل يعصمني من الماء » . ثم ها هي ذي الأبوة الملهوفة ترسل النداء الأخير : « قال : لا عاصم اليوم من أمر اللّه إلا من رحم » . وفي لحظة تتغيّر صفحة الموقف ، فها هي ذي الموجة العاتية تبتلع كل شيء
« وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ »
. . .
إن السامع ليمسك أنفاسه في هذه اللحظات القصار ؛
« وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ »
ونوح الوالد الملهوف يبعث بالنداء تلو النداء ؛ وابنه الفتى المغرور ، يأبى إجابة الدعاء ؛ والموجة القوية العاتية ، تحسم الموقف في لحظة سريعة خاطفة . وإن الهول هنا ليقاس بمداه في النفس الحية - بين الوالد والمولود - كما يقاس بمداه في الطبيعة - حيث يطغى الموج على الذرى والوديان . وإنهما لمتكافئان ، في الطبيعة الصامتة ، وفي نفس الإنسان .
* * * ثم لننتقل إلى مشاهد القيامة ، وإلى صور النعيم والعذاب ، فقد كان لها من التصوير الفني أوفى نصيب :
1 -
يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ ، خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ ،