والآن فلنعرض شطرا من قصص حقيقية ، بعد ما عرضنا قصص الأمثال .
1 - لنعرض مشهدا من قصة إبراهيم ، وهو يبني الكعبة مع ابنه إسماعيل ، وكأنما نحن نشهدهما يبنيان ويدعوان الآن ، لا قبل اليوم بأجيال وأزمان .
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ . رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا ، إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ، وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ، وَأَرِنا مَناسِكَنا ، وَتُبْ عَلَيْنا ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ ، وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ ، وَيُزَكِّيهِمْ . إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
.
لقد انتهى الدعاء ، وانتهى المشهد ، وأسدل الستار .
هنا حركة عجيبة في الانتقال من الخبر إلى الدعاء ، هي التي أحيت المشهد وردته حاضرا . فالخبر : « وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل » كان كإنما هو الإشارة برفع الستار ليظهر المشهد : البيت ، وإبراهيم وإسماعيل ، يدعوان هذا الدعاء الطويل .
وكم في الانتقال هنا من الحكاية إلى الدعاء من إعجاز فني بارز ، يزيد وضوحا لو فرضت استمرار الحكاية ، ورأيت كم كانت الصورة تنقص لو قيل : وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل يقولان : ربنا . . . إلخ . إنها في هذه الصورة حكاية ، وفي الصورة القرآنية حياة . وهذا هو الفارق الكبير . إن الحياة في النصّ لتثب متحركة حاضرة . وسر الحركة كله في حذف لفظة واحدة . . وذلك هو الإعجاز .