وهذه هي الصيحة الأخيرة :
« فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ »
.
ولقد حضروا فعلا ، وارتسم المشهد ؛ وها هم أولاء يتلقون الخطاب ، على مرأى ومسمع ممن يقرءون الآن هذا الكتاب ! :
« فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً ، وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ »
.
6 - وإذ تمّ الحشر ، وابتدأ العرض ، فها نحن أولاء أمام مشهد لجماعة كانت في الدنيا متوادة متحابة ، وهي اليوم متناكرة متدابرة . كان بعضهم يملي لبعض في الضلال ؛ وكان بعضهم يتعالى على المؤمنين ، ويهزأ من دعواهم في نعيم الآخرة .
ها هم أولاء يقتحمون النار فوجا بعد فوج . هذا هو الفوج الأول . ينقل إليه نبأ اقتحام الفوج الثاني :
« هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ »
فما ذا يكون الجواب ؟ يكون :
« لا مَرْحَباً بِهِمْ ، إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ »
! فهل يسكت المشتومون ؟ كلا ! فها هم أولاء يردون :
« قالُوا : بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ . أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا ، فَبِئْسَ الْقَرارُ ! »
وإذا دعوة جامعة :
« قالُوا : رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ »
!
ثم ما ذا ؟ ثم ها هم أولاء يفتقدون المؤمنين ، الذين كانوا يتعالون عليهم في الدنيا ويظنون بهم شرا ، فلا يرونهم معهم مقتحمين :
« وَقالُوا : ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ ؟ أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا ، أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ ؟ »
. . .
« إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ »
. وإننا لنشهد اليوم هذا التخاصم كما لو كان حاضرا في العيان ! وإن كل نفس آدمية لتحس في حناياها وقع هذا المشهد وتتقيه ، وتحاذر - لو ينفع الحذر - أن تقع فيه !
* * *