لربه ، يرى النعمة دليلا على المنعم ، موجبة لحمده وذكره ، لا لجحوده وكفره :
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ : جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ ، وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ ، وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً . كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ، وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً ، وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً ، وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ
.
وبهذا ترتسم صورة الجنتين مكتملة ، في ازدهار وفخامة .
وهذا هو المشهد الأول . فلننظر إلى المشهد الثاني :
فَقالَ لِصاحِبِهِ - وَهُوَ يُحاوِرُهُ - : أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً
ويبدو أنه قال قولته هذه وهما في الطريق إلى الجنتين ، أو وهما على الباب ، إذ جاء بعده :
وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ . قالَ : ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً ! وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً ! وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً
.
فها هو ذا في أوج زهوه وبطره ، وتعاليه وازدهائه . فما ذا ترى يكون أثر هذا كله في نفس صاحبه الفقير ، الذي لا جنة له ولا مال ، ولا عصبة له ولا نفر ؟ إن صاحبه لمؤمن ، فما تشعره كل هذه المظاهر بالهوان ، وما تنسيه عزة ربه الديّان ، وما تغفله عن واجبه الصحيح ، في رد صاحبه البطر إلى جادّة الطريق ، ولو استدعى ذلك أن يجبهه بالتقريع ، وأن يذكره بمنشئه الصغير من التراب المهين :