هي ألفاظ جامدة ، لا ألوان تصوّر ، ولا شخوص تعبّر ، أدركنا بعض أسرار الإعجاز في هذا اللون من تعبير القرآن .
والأمثلة على هذا الذي نقول هي القرآن كله ، حيثما تعرض لغرض من الأغراض التي ذكرناها ؛ حيثما شاء أن يعبّر عن معنى مجرّد ، أو حالة نفسية ، أو صفة معنوية ، أو نموذج إنساني ، أو حادثة واقعة ، أو قصة ماضية ، أو مشهد من مشاهد القيامة ، أو حالة من حالات النعيم والعذاب ؛ أو حيثما أراد أن يضرب مثلا في جدل أو محاجّة ، بل حيثما أراد هذا الجدل إطلاقا ، واعتمد فيه على الواقع المحسوس ، والمتخيل المنظور .
وهذا هو الذي عنيناه حينما قلنا : « إن التصوير هو الأداة المفضّلة في أسلوب القرآن » . فليس هو حلية أسلوب ، ولا فلتة تقع حيثما اتفق . إنما هو مذهب مقرر ، وخطة موحدة ، وخصيصة شاملة ، وطريقة معيّنة ، يفتنّ في استخدامها بطرائق شتّى ، وفي أوضاع مختلفة ؛ ولكنها ترجع في النهاية إلى هذه القاعدة الكبيرة :
قاعدة التصوير .
ويجب أن نتوسع في معنى التصوير ، حتى ندرك آفاق التصوير الفني في القرآن . فهو تصوير باللون ، وتصوير بالحركة ، وتصوير بالتخييل ؛ كما أنه تصوير بالنغمة تقوم مقام اللون في التمثيل .
وكثيرا ما يشترك الوصف ، والحوار ، وجرس الكلمات ، ونغم العبارات ، وموسيقى السياق ، في إبراز صورة من الصور ، تتملاها العين والأذن ، والحس والخيال ، والفكر والوجدان .
وهو تصوير حيّ منتزع من عالم الأحياء ، لا ألوان مجردة وخطوط جامدة . تصوير تقاس الأبعاد فيه والمسافات ، بالمشاعر
التصوير الفني في القرآن — صفحة 37
مساهمون: سيد قطب
ص٣٧