نطالبه بالتعبير في لغة عصرنا الأخير . . يرحمه اللّه !
* * * وأيّا ما كانت تلك الجهود التي بذلت في التفسير وفي مباحث البلاغة والإعجاز فإنها وقفت عند حدود عقلية النقد العربي القديمة ، تلك العقلية الجزئية التي تتناول كل نصّ على حدة ، فتحلله وتبرز الجمال الفني فيه - إلى الحد الذي تستطيع - دون أن تتجاوز هذا إلى إدراك الخصائص العامة في العمل الفني كله .
هذه الظاهرة قد برزت في البحث عن بلاغة القرآن ، فلم يحاول أحد أن يجاوز النّص الواحد إلى الخصائص الفنية العامة .
اللهم إلا ما قيل في تناسق تراكيب القرآن وألفاظه ، أو استيفاء نظمه لشروط الفصاحة والبلاغة المعروفة . وهذه ميزات - كما قال عبد القاهر بحق - لا تذكر في مجال الإعجاز ، لأنها ميسّرة لكل شاعر وكاتب شب عن الطوق .
وبوقوف الباحثين في بلاغة القرآن عند خصائص النصوص المفردة ، وعدم تجاوزها إلى الخصائص العامة ، وصلوا إلى المرحلة الثانية من مراحل النظر في الآثار الفنية ، وهي مرحلة الإدراك لمواضع الجمال المتفرقة ، وتعليل كل موضع منها تعليلا منفردا . ذلك مع ما قدّمنا من أن هذا الإدراك كان بدائيا ناقصا .
أما المرحلة الثالثة - مرحلة إدراك الخصائص العامة - فلم يصلوا إليها أبدا ، لا في الأدب ، ولا في القرآن . وبذلك بقي أهم مزايا القرآن الفنية مغفلا خافيا وأصبح من الضروري لدراسة هذا الكتاب المعجز من منهج للدراسة جديد ، ومن بحث عن الأصول العامة للجمال الفني فيه ، ومن بيان للسمات المطردة التي تميز هذا
التصوير الفني في القرآن — صفحة 34
مساهمون: سيد قطب
ص٣٤