فلننظر في هذه السور بالإجمال - فالنظر بالتفصيل فيها جميعا غير مستطاع ، على النسق الذي اتّبعناه في قصة تولي الوليد - لنرى أي سحر كان فيها ، استأثر بالسابقين الأولين الذين تابعوا محمدا ، حتى قبل أن يعتزّ الإسلام بعمر ، وقبل أن يجهر النبي بالدعوة في وضح النهار ، بعد التخفي والإسرار .
وإننا لننظر فلا نجد فيها جميعا إلا القليل من تلك الأغراض التي يراها بعض الباحثين أكبر مزايا القرآن . إننا إذا استثنينا إشارة سريعة إلى خلق الإنسان من نطفة ، وتنويع الأشكال والألوان في سورة « فاطر » ، وخلق الإنسان
« مِنْ ماءٍ دافِقٍ ، يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ »
في سورة « الطارق » لا نجد علوما كونية في جميع هذه السور على وجه الإجمال ؛ وكذلك لا نجد التشريع ؛ ولا نجد النبوءات .
ولكننا نجد في هذه السور - كما نجد في سواها من السور المكية والمدنية على السواء - مثلا من ذلك الجمال الفني الذي ضربنا له الأمثال .
وإننا لنستطيع أن ندع - مؤقتا - قداسة القرآن الدينية ، وأغراض الدعوة الإسلامية ؛ وأن نتجاوز حدود الزمان والمكان ؛ ونتخطى الأجيال والأزمان ، لنجد بعد ذلك كله هذا الجمال الفني الخالص ، عنصرا مستقلا بجوهره ، خالدا في القرآن بذاته ، يتملاه الفن في عزلة عن جميع الملابسات والأغراض .
وإن هذا الجمال ليتملى وحده فيغنى ؛ وينظر في تساوقه مع الأغراض الدينية فيرتفع في التقدير .
فلننظر إذن كيف فهم الناس هذا الجمال على مدى الأجيال .