تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التصوير الفني في القرآن — صفحة 21

مساهمون:

ص٢١
والمصير . لتلمس الوجدان الإنساني لمسة قوية في مجال الدعوة الدينية ، وفي مجال التأمّلات الوجدانية . ولقد كان المتوقع أن يعرف الإنسان هذا الفضل العظيم ، وأن يشعر بتلك النقلة البعيدة . ولكن :
« كَلَّا ! إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى ! »
. لقد برزت إذن صورة الإنسان الطاغي الذي نسي منشأه وأبطره الغنى ، فالتعقيب التهديدي السريع على بروز هذه الصورة هو :
« إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى »
. فإذا ردّ الأمر إلى نصابه هكذا سريعا ، لم يكن هناك ما يمنع من المضي في حديث الطغيان الإنساني ، وإكمال الصورة الأولى . إن هذا الإنسان الذي يطغى ، ليتجاوز بطغيانه نفسه إلى سواه :
« أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى ؟ »
أرأيت ؟ إنها لكبيرة ! وإنها لتبدو أكبر إذا كان هذا العبد على الهدى آمرا بالتقوى :
« أَ رَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى ، أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى ؟ »
فما بال هذا المخلوق الإنساني غافلا عن كل شيء غفلته عن نشأته ونقلته ؟
« أَ رَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى . أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى ؟ »
فالتهديد إذن يأتي في إبانه :
« كَلَّا ! لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ »
. هكذا « لنسفعا » بذلك اللفظ الشديد المصور بجرسه لمعناه . وإنه لأوقع من مرادفه : لنأخذنّه بشدة . و
« لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ »
صورة حسية للأخذ الشديد السريع ، ومن أعلى مكان يرفعه الطاغية المتكبر ، من مقدم الرأس المتشامخ . إنها ناصية تستحق السفع :
« ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ »
. وإنها للحظة سفع وصرع ، فقد يخطر له أن يدعو من يعتز بهم من أهله وصحبه :
« فَلْيَدْعُ نادِيَهُ »
ومن فيه ، أما نحن فإننا
« سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ »
. وهنا يخيل السياق للسامع صورة معركة بين المدعوين :