فحسب ، ولكن اختيرت لها صور حيّة ، وقيست بمقاييس حيّة .
ومرت من خلال وسط حيّ « 1 » .
فهول الساعة العظيم يصور في ذهول المرضعات عما أرضعن ، وتخلي الحاملات عن حملهن ، وترنح السكارى وما هم بسكارى ؛ ويقاس بمدى فعل الهول في هذه النفوس الآدمية ، لا بالألفاظ والأوصاف التجريدية .
أو يصوّر في فرار المرء من أخيه وأمه وأبيه ، وفصيلته التي تؤويه . حيث يكون
« لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ »
. فهو يقاس بأثره في النفس الإنسانية لا بالمقاييس الأخرى الوصفية .
فإذا اشتركت الجوامد في تصوير هذا الهول خلعت عليها الحياة أو أشرك معها الأحياء :
« يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا »
فهي حية ترتجف كالآدميين . أو
« فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً . السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ »
فالسماء المنفطرة بجوارها الأطفال الشيب . . .
وهول الطوفان يصوّر في الطبيعة ، وإلى جانبها يصور في والد وولده : ذلك ناج في السفينة ملهوف على فلذة كبده ، وهذا يجرفه الطوفان حيث :
« لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ »
.
وإن الهول هنا ليكاد يكون أعظم من الهول في الطبيعة :
« وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ »
فما كان الموج في المشهد إلا إطارا للهول النفسي الذي يفرّق بين الابن وأبيه ، ويفصم الصلة التي لا تفصمها الأهوال !
هامش
( 1 ) كان للأستاذ العقاد فصل توجيهي إلى إفراد هذه السمة القرآنية بالإشارة ، بعد ما ورد منها في ثنايا الكتاب من أمثلة متفرقة .