أن نقول : إن القواعد الأولية للرسم تحتم أن تكون هناك وحدة بين أجزاء الصورة ، فلا تتنافر جزئياتها .
وثانيا : توزيع أجزاء الصورة - بعد تناسبها - على الرقعة بنسب معينة حتى لا يزحم بعضها بعضا ، ولا تفقد تناسقها في مجموعها .
وثالثا : اللون الذي ترسم به ، والتدرج في الظلال ، بما يحقق الجو العام المتسق مع الفكرة والموضوع .
والتصوير بالألوان يلاحظ هذا التناسق كما يلاحظه « التوزيع » في المشاهد المسرحية والسينمائية . والتصوير في القرآن يقوم على أساسه ، وإن كانت وسيلته الوحيدة هي الألفاظ ؛ وبذلك يسمو الإعجاز فيه على تلك المحاولات :
1 - خذ سورة من السور الصغيرة التي ربما يحسب البعض أنها شبيهة بسجع الكهان أو حكمة السجاع . خذ سورة « الفلق » .
فما الجو المراد إطلاقه فيها ؟ إنه جو التعويذة ، بما فيه من خفاء وهيمنة وغموض وإبهام . فاسمع :
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ . مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ . وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ . وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ . وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ
.
فما الفلق الذي يستعيذ بربه ؟ نختار من معانيه الكثيرة معنى الفجر ، لأنه أنسب في الاستعاذة به من ظلام ما سيأتي : مما خلق ، ومن الغاسق ، والنفاثات ، والحسد . ولأن فيه إبهاما خاصا سنعلم حكمته بعد قليل .
يعوذ برب الفجر
« مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ »
هكذا بالتنكير وبما الموصولة الشاملة . وفي هذا التنكير والشمول يتحقق الغموض والظلام