تبين لنا في بعض المواضع سر هذا التغير ، وخفي علينا السر في مواضع أخرى ، فلم نرد أن نتمحل له لنثبت أنه ظاهرة عامة ، كالتصوير ، والتخييل ، والتجسيم ، والإيقاع .
فمن المواضع التي لاحظنا فيها أن تغير نظام الفاصلة والقافية يعني شيئا خاصا ما جاء في سورة مريم . فالسورة تبدأ بقصة زكريا ويحيى ؛ وتليها قصة مريم وعيسى ، وتسير الفاصلة والقافية هكذا :
ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ، إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا ، قالَ : رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً ؛ وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا
. . . إلخ
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا ، فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً ، فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا ، قالَتْ : إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا »
. . إلخ
إلى أن تنتهي القصتان على رويّ واحد . وفجأة يتغيّر هذا النسق بعد آخر فقرة في قصة عيسى على النحو التالي :
قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ، وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا ، وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا ، وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا . . ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ، ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ : كُنْ فَيَكُونُ ، وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ، هذا