وضم ذلك إلى الخصائص التي ذكرنا ، فنشأ النثر والنظم جميعا « 1 » .
وحيثما تلا الإنسان القرآن أحسّ بذلك الإيقاع الداخلي في سياقه ؛ يبرز بروزا واضحا في السور القصار ، والفواصل السريعة ، ومواضع التصوير والتشخيص بصفة عامة ؛ ويتوارى قليلا أو كثيرا في السور الطوال ، حتى تنفرد الدقة دونه في آيات التشريع . ولكنه - على كل حال - ملحوظ دائما في بناء النظم القرآني .
وها نحن أولاء نتلو سورة النجم مثلا :
وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ، ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى ، وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ، ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى ، وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى ، ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى ، فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى ، فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى ، ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ، أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى ؟ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى ، عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى ، إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى ، ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى ، لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى ، أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ، وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ؟ أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى ؟ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى !
.
هذه فواصل متساوية في الوزن تقريبا - على نظام غير نظام
هامش
( 1 ) يقول الدكتور طه حسين : إن القرآن ليس شعرا وليس نثرا ، إنما هو قرآن ! ولسنا في حاجة إلى هذا اللعب بالعبارات ، فالقرآن نثر متى احتكمنا للاصطلاحات العربية كما يسعى ولكنه نوع ممتاز مبدع من النثر الفني الجميل المتفرد .