تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التصوير الفني في القرآن — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
ومثلها :
وَأَصْحابُ الشِّمالِ . ما أَصْحابُ الشِّمالِ ! فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ . وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ . لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ . إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ
. فالسموم والحميم ، والظل الذي ليس له من الظل إلا اسمه ، لأنه
« مِنْ يَحْمُومٍ »
« لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ »
. . صورة هذا الشظف تقابل صورة الترف :
« إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ »
. وهنا موضع تأمل لطيف في هذا التصوير وفيما يماثله : فهؤلاء المتحدّث عنهم يعيشون في الدنيا الحاضرة ، وصورة الترف هي الصورة القريبة . أما ما ينتظرهم من السموم والحميم والشظف فهو الصورة البعيدة . ولكن التصوير هنا لفرط حيويته يخيّل للقارئ أن الدنيا قد طويت ، وأنهم الآن هناك ؛ وأن صورة الترف قد طويت كذلك ، وصورة الشظف قد عرضت . وأنهم الآن يذكّرون في وسط السموم والحميم ، بأنهم
« كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ »
! وذلك من عجائب التخييل . ولكنه النسق المتّبع غالبا في القرآن ، والذي يلبي طلبة الفن والدين في آن : يلبي طلبة الفن في قوة الإحياء ، حتى لينسى المشاهد أن هذا مثل يضرب ، ويحس أنه حاضر يشهد ؛ ويلبي طلبة الدين ، لأن الإحساس بالمغيّب حاضرا مما يلمس الوجدان ، ويهيئ لدعوة الإيمان . ومن هذا النحو :
خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ ، ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ . ذُقْ ، إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ
.