وقال آخر : لولا ما عقدته بالكتابة من تجاريب الأولين ؛ لانحل مع النسيان عقود الآخرين .
وقد أخطأ من اعتمد على حفظه وغفل عن تقييد العلم في كتبه ثقة بما استقر في نفسه ؛ لأن التشكيك معترض والنسيان طارئ .
فكان عمر بن عبد العزيز - رحمه اللّه - يصلي بالليل فإذا مرت به آية فهم منها شيئا سلم من صلاته وكتبه في لوح أعده ليعمل به في غده .
وقال بعضهم : الكتابة سبب لتخليد كل فضيلة ، وذريعة إلى توريث كل حكمة جليلة ، وموصلة لنا ما تلفظ به الحكماء من الألفاظ الجميلة ، ومبلغة إلى الأمم الآتية أخبار القرون الخالية ، ومعارف الأمم الماضية ، تخاطبك بلسان الحال عند تعذر المقال ، كان الميت منهم حيّا بهذا الاعتبار ، والمفقود موجودا بتجدد الأخبار ، حتى كان الخالف يشاهد السالف ، والجاهل يأخذ عن العارف ، فمتى أردت مجالسة إمام من الأئمة الماضين ، ومحادثة شيخ من شيوخ المتقدمين ، فانظر في كتبه التي صنفها ، ومجموعاته التي ألفها ، ونوادره التي رسمها ، وحكمه التي أحكمها ، فإنك تجده مخاطبا لك ومعلما ومرشدا ومفهما مع ما يحصل لك من الأنس بكتابه وما تستفيده من حكمه وصوابه ، وللّه در القائل - رحمه اللّه - في وصف الكتب :
لنا جلساء لا يمل حديثهم * ألباء مأمونون غيبا ومشهدا
يفيدوننا من علمهم علم ما * وعقلا وتأديبا ورأيا مسددا
فلا فتنة تخشى ولا سوء * ولا نتقى منهم لسانا ولا
فإن قلت أحياء فلست * وإن قلت أموات فلست
وقال غيره :
نعم الأنيس والجليس كتاب * تسلو به إن خانت
لا مفشيا سرّا إذا استودعته * وبه لعمري حكمة